Share
2017-07-07
عدد المشاهدات: 1274

الجودو بين جمال النظرية وبراعة التطبيق – بوتين مثالاً

الجودو بين جمال النظرية وبراعة التطبيق – بوتين مثالاً
مصدر الصورة: الميادين

يبدو أن حامل درجة «دان 8» في الجودو رئيس روسيا فلاديمير بوتين، لا يزال مُخلصاً لتعاليم هذه الرياضة الشرقية والتي تشبّع بها من خلال التدريبات الروحية والجسدية لهذه المنظومة الفلسفية قبل أن تكون منظومة دفاع وهجوم منذ نعومة أظفاره.

 

في صميم تعاليم الجودو هناك قاعدة أساسية وشاملة تقول: «حوّل طاقة خصمك الهجومية إلى قوة ضاربة ضدّه»، وهذا بالضّبط ما يفعله بوتين ببراعة المُحارب الصلب ليس في حلبات المُنازلة الرياضية بل في الصراع الدولي الذي وجدت روسيا نفسها في القلب منه بعد أن استعادت عافيتها. لكي لا نذهب بعيداً في التحليل، لنلقِ نظرة على الأزمتين اللتين تشغلان العالم اليوم وتعدّان من قضايا الخلاف والتصادم بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية في السنوات القليلة الماضية، وبوابة الولوج إلى نظام عالمي جديد، أعني أوكرانيا وسوريا.

في أوكرانيا خطّط الأميركان لإدخال هذا البلد إلى معسكرهم حيث عملوا عن طريق أذرعته الإستخبارية من منظمات المجتمع المدني المختلفة، الداعية إلى الديموقراطية والمموّلة من قِبَلهم بشكل مباشر أو غير مباشر، على كسر الشراكة التاريخية المُتجذّرة بين الشعبين الأوكراني والروسي، وزعزعة الثقة بروسيا في أوساط النُخَب الأوكرانية على مدى أكثر من 25 سنة باعتراف الأميركان أنفسهم، وقد نجحوا في هذا إلى حد كبير سمح لهم بإنجاز انقلاب على السلطات القائمة تحت عنوان «ثورة الميدان»، ووضعوا عملاءهم في سدّة الحُكم. في الظاهر هو انتصار نوعي لأميركا وخسارة لروسيا. لكنها كانت الخطوة الأولى الإجرائية فقط من المخطّط الأميركي في أوكرانيا، لأن أهداف أميركا في أوكرانيا تتلخّص في خمس مسائل تشكّل خلاصة أحلامها من هذا الصراع:

1. تحويل أوكرانيا من دولة موالية لروسيا إلى دولة مُناهِضة لها وموالية للسياسات الأميركية والغربية.

2. إدخال أوكرانيا في حلف الناتو وما ينتج منه من اختراق لمنظومات الدفاع الجوية الروسية من الأراضي الأوكرانية المتاخمة لروسيا، ما يُشكّل سابقة أمنية خطيرة على الأمن القومي الروسي.

3. طرد الأسطول البحري الروسي المُتمركز في مدينة سيفوستوبل على ساحل شبه جزيرة القرم الجنوبي، واستبداله بقاعدة أميركية أو ناتوية تجعل البحر الأسود عملياً بحيرة ناتوية بامتياز وتجبر القوات الروسية على الإنكفاء إلى داخل حدودها.

4. استخدام أوكرانيا كمنصّة لإطلاق مشروع إشعال الإضطرابات والاحتجاجات داخل روسيا وقلقلة الأوضاع الأمنية هناك اعتماداً على التجربة «الناجحة» في كييف لإعادة تصنيعها في موسكو وتفجير روسيا من الداخل.

5. استخدام المكاسب الاستثنائية في الملف الأوكراني لإجبار روسيا على التراجع وتقديم التنازلات التي تريدها منها في الصراع الدائر على سوريا. وحتى نستجلي ما وصلت إليه المخطّطات الأميركية في أوكرانيا على أرض الواقع، لا بدّ من أن ننظر إلى الحقائق المُجرّدة:

1. بعد انفصال شبه جزيرة القرم وانضمامها عبر استفتاء شعبي إلى روسيا ورفض جزء كبير من شرق أوكرانيا الإذعان للسلطات الجديدة والحرب الأهلية الدائرة على مدى أكثر من سنتين هناك، لم تعد أوكرانيا قطعة من الحلوى بالنسبة لأميركا بل انقلبت إلى صُداع دائم ومصدر لعدم الاستقرار في القارة الأوروبية. والسؤال الأهمّ هنا هو: بعد هذا الإنقسام الحاد في المجتمع الأوكراني والذي تجسّد على الأرض انفصالاً لجزء كبير من البلاد، ورفض عدد كبير من السكان يتجاوز العشرة  ملايين الرضوخ للسلطات الجديدة، هل بقي لهذه السلطات من مصداقية؟ وهل يمكن أن يعوّل عليها من قِبَل الأميركان وهم يروها غارقة في أزماتها الداخلية المستعصية؟ الشيء الوحيد الذي نستطيع الجزم فيه هو أن أوكرانيا هذه ليست أوكرانيا التي كان الأميركان يخطّطون لكسب موالاتها، وأن جزءاً وازناً من الشعب الأوكراني ثبت له زيف ادّعاءات الأميركيين حول دعمهم لأوكرانيا وشعبها، وبات على يقين من كارثية الخطّة الأميركية لها.

2. لم يعد ممكناً حتى النظر في طلب أوكرانيا الانضمام للناتو وذلك بسبب الانقسام الحاد في المجتمع، وبسبب الحرب الدائرة هناك. ومن ناحية أخرى وبعد ضمّ القرم إلى روسيا تعزّز الوجود الاستراتيجي للأخيرة وقطع الطريق أمام تمدّد حلف الناتو نحو الشرق.

3. لم يتحقّق الحلم الأميركي بطرد الروس من شبه جزيرة القرم وإنشاء قواعد عسكرية غربية هناك، وإنما تحرّرت روسيا من أعباء استئجار القاعدة هناك ومن تقلّبات السياسة الأوكرانية، خاصة بعد تواتر الحديث قبل الأزمة عن إنهاء عقد الإيجار من جانب الأوكران بضغوط أميركية باتت خيالاً من الماضي الآن.

4. سقط مخطّط تفتيت روسيا من الداخل قبل الشروع به وذلك بعد إنجاز بوتين التاريخي بضم شبه جزيرة القرم والوقوف بحزم إلى جانب  المقاطعات الأوكرانية الشرقية ذات الأصول الروسية، ما عزّز الشعور القومي الروسي ووسّع القاعدة الشعبية الداعِمة لبوتين في روسيا في سابقة تاريخية، حيث أظهرت كل استقصاءات الرأي هناك عن تجاوز الدعم الشعبي لبوتين الـ 80 % ، ما جعل من المستحيل استنهاض معارضة شعبية في الشارع الروسي ولا حتى في أضيق الحدود، وخاصة بعد أن شاهد الشعب الروسي ما حصل في الجارة أوكرانيا من مآسٍ بعد التدخّل الأميركي فيها.

5. بعد فشل الأميركان الذريع في أوكرانيا تحوّلت الورقة الأوكرانية من ورقة ضغط ضدّ روسيا في سوريا لورقة يستخدمها الروس بذكاء لمواجهة الدور الأميركي هناك، أو على أضعف الإيمان تحييده وهذا ما قد يسمح بتبلور تفاهمات بين الطرفين في القريب العاجل.

نحن هنا نتطرّق لما يتعلّق بالصراع الروسي الأميركي حصراً، أما الأهداف المتعلّقة بسوريا نفسها والمنطقة عموماً، فقد باتت معلومة أو شبه معلومة لدى الجميع وخاصة في ضوء اعترافات الساسة الأميركان أنفسهم الحاليين منهم والسابقين، ناهيك عن عشرات الكتب والتحليلات الصحفية التي تطرّقت بالتفصيل إلى المشروع الأميركي المسمّى بـ "الشرق الأوسط الجديد"، هذا المشروع الذي تعثّر بشكل نهائي في الأوحال السورية.

إذا ما استمزجنا آراء أكثر المحلّلين الاستراتيجيين من أقربهم إلى موسكو إلى أشدّهم موالاة لأميركا، سنجد أن المخطّط الأميركي في سوريا في الشقّ المتعلّق بصراعها مع روسيا يرتكز على ما يلي:

1. إلغاء أيّ تواجد روسي في منطقة الشرق الأوسط بالسيطرة على حليفتها التاريخية في المنطقة: سوريا. وكما في الحال الأوكرانية إلغاء العقود المُبرمة مع الدولة السورية والمنظمة لتواجد القوات البحرية الروسية في ميناء طرطوس السوري، وبالتالي حرمان الأسطول البحري الروسي من ملاذه الوحيد في البحر الأبيض المتوسّط.

2. تحقيق مشروع خط الغاز الذي يجب أن يربط الخليج العربي بأوروبا عبر الأراضي السورية بعد تركيب سلطة موالية (تابعة) لأميركا فيها، هذا المشروع الذي رفضته سوريا في حُقبة التقارُب السابقة مع قطر وتركيا مراعاة لمصالح الحليف التاريخي روسيا، والتي يذهب الكثير من المُحلّلين للإشارة إلى أن رفض سوريا له كان سبباً مفصلياً من أسباب الحرب الدائرة عليها. كان يخطّط لهذا المشروع إن أنجز أن يغرق السوق الأوروبية بالغاز القطري الرخيص، ويقلّص حصّة الروس من السوق الأوروبية من 35% إلى أقل من 10% مما كان لا بد من أن يؤثّر بشكل كبير على الاقتصاد الروسي، ويزعزع استقراره بخسارة أهم سوق تاريخية له ويخرج الأوروبيين من دائرة التأثير الروسية.

3. إطلاق يد حليفها أردوغان في ما سُمّي بالربيع العربي وخاصة في سوريا وتتويجه قائداً للعالم الإسلامي وتسليمه مفاتيح النفوذ في المنطقة، مُداعبة أحلامه بإعادة أمجاد الخلافة العثمانية البائدة. بعد ذلك استخدام نفوذه وموقعه الجديد لتأليب شعوب القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى المُتشاركة مع تركيا بجذور لغوية وثقافية، ناهيك عن الدينية (قرغستان، أوزبكستان، تركمنستان، طاجيكستان، أذربيجان إلخ ...) ضدّ روسيا واستخدام الأدوات الإرهابية المُجرّبة في سوريا وتسهيل مرورها عبر تلك الجمهوريات إلى الأراضي الروسية، وهذا ما يفسّر استماتة أردوغان في دعمه للمجموعات الإرهابية في سوريا من دون أدنى خوف من حساب أو عقاب، فالأمر والتغطية ميّسران من قِبَل من نصّب نفسه الزعيم الأوحد للعالم: أميركا.

بعد أكثر من ست سنوات من الحرب على سوريا وفيها لا بدّ من أن نعترف بالحقائق التالية:

1. بفضل الصمود والثبات السوريين وبفضل الدعم الروسي المُتعدّد الجوانب لم تتحقّق الآمال الأميركية بإسقاط الدولة السورية، وبدل أن يُلغى التواجد الروسي في المنطقة تعزّز هذا التواجد بشكل غير مسبوق بعد توسيع القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، وإنشاء قاعدة جوية جديدة في منطقة حميميم في ريف اللاذقية، وبات شرق البحر المتوسّط بحيرة روسية بامتياز، حيث تجمّعت فيه عشرات السفن والفرقاطات والمدمّرات وحاملات الطائرات الروسية.

2. بالطبع لا داعي هنا للقول أن أحلام خطوط الغاز الخليجية لأوروبا قد تلاشت، وأن أوروبا وجدت نفسها مضطرة لاستمرار استجرار الغاز الروسي. على العكس من ذلك وحسب خبراء عالميين فإن الاكتشافات الحديثة تؤكّد غنى الأراضي والشواطئ السورية باحتياطات هائلة من النفط والغاز، وأن الدولة السورية في وضعها الحالي لن تأتمن في مشاريع الاستثمار في استخراج النفط والغاز إلّا للدول التي وقفت إلى جانبها في محنتها وعلى رأس هذه الدول روسيا، ما يعزّز بكل تأكيد موقعها على خارطة الطاقة العالمية. للتذكير فإن علاقات سوريا منذ فترة ليست ببعيدة حتى اندلاع الأحداث كانت متواصلة مع شركات النفط والغاز الغربية، ولم تكن لروسيا حصّة تُذكر في سوريا" أما بعد أن حصل ما حصل فليس من الوارد أن تقدّم سوريا أية امتيازات لمن ساهم في العدوان عليها.

3. في ما يتعلق باستخدام أردوغان كرأس حربة ضدّ روسيا، يكفي أن نذكر أن أردوغان الحالِم بالسلطنة والهيمنة على مقدّرات المنطقة العربية وربما العالم الإسلامي، تحوّل اليوم إلى سياسي فاشل منبوذ أوروبياً وعربياً، وحتى في بلاده نفسها تراجعت شعبيته والأمور تُنذر بكثير من الهزّات التي يمكن أن تتعرّض لها تركيا، فالحرب الداخلية قائمة مع الأكراد وخطر الإرتداد الإرهابي على الداخل التركي أصبح حقيقة واقعة بعد العديد من التفجيرات. أردوغان هذا بات مُتّهماً حتى من قِبَل الأميركان أنفسهم بدعمه للإرهاب وتقييد الحريات العامة في بلاده، ومن قِبَل الأوروبيين بابتزازهم بقضية اللاجئين، كما يكاد لا يكون له صديق في العالم حتى أنه ارتمى من جديد في أحضان الإسرائيليين لينقذوه من ورطته، وعرض عليهم خدماته في ترويض المواقف الفلسطينية. بل إنه رضي بعد عناد أن يقدّم اعتذاره لروسيا على إسقاط طائرة السوخوي، مُبدياً استعداده للتعويض المادي بما في ذلك لأسرة الطيّار الروسي الذي اغتالته المجموعات المسلّحة المدعومة من قِبَله، كما أنه قطع شوطاً كبيراً في مشاركة ودعم المسار السياسي لحلّ الأزمة السورية والذي تقوده روسيا عبر لقاءات أستانا المُتكرّرة. روسيا من جانبها أعلنت وبشكل صريح ومن موقع القوة أن هذا جيّد أن تعتذر وأن تعلن استعدادك لدفع تعويضات، لكن هذا غير كافٍ والمطلوب أن تنفّذ خطوات ملموسة على حدودك مع سوريا، خطوات كنا قد أكّدنا على ضرورة اتّخاذها مراراً وتكراراً منذ فترة طويلة.

هل هذه صورة قائد يستطيع التأثير على أحد؟ ناهيك أن يؤثّر في دول بعينها بعد هذا الفشل للمخطّط الذي نذر نفسه لتطبيقه. بالطبع فإن الفشل الذريع الذي لحق بكل سياسات أردوغان لن يشجّع من كان يراهن الأميركان على تأليبهم ضدّ روسيا من شعوب آسيا الوسطى والقوقاز، بل إن بوادر للصحوة على حقيقة المشاريع الأميركية الهدّامة بدأت بالتوضّح، وباتت الشعوب والحكومات المُبتلية أو المُرشّحة للإبتلاء "بالديمقرطة" الأميركية أقرب من أيّ وقت مضى من تفهّم وجهة النظر الروسية ودعم توجّهاتها على الساحة الدولية، وبالتالي صار من الصعب اختراقها بأكاذيب الحريات والديموقراطيات المزعومة.

لقد أثبت بوتين أنه يستحق الحزام الذي يحمله في لعبته المفضلة الجودو، فإذا كان حلم أعدائه في الحد الأدنى أن ينالوا من هيبة وعظمة بلاده وجعلها، كما صرّح أوباما حالماً، مجرّد دولة إقليمية وفي الحد الأعلى إسقاطها وتفتيتها بشكل نهائي، فإنه استطاع بحنكة وإقدام وثبات مُصارِع الجودو وبنظرة وحكمة ورجاحة الفيلسوف أن يحوّل طاقة أعدائه المُدمّرة إلى صدور هؤلاء الأعداء، كما حوّل كل محاولاتهم للنيل منه إلى فُرَص فتحت آفاقاً غير مسبوقة لبلاده.


نزيه عودة
المصدر: الميادين
 
 
 
الجودو بين جمال النظرية وبراعة التطبيق – بوتين مثالاً
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات