Share
2017-01-05
عدد المشاهدات: 966

تركيا: الأسوأ قادم…. ما المخرج؟!

تركيا: الأسوأ قادم…. ما المخرج؟!
مصدر الصورة: سانا

عندما تقرأ المقالات المنشورة في الصحافة التركية بعد حادثة نادي (رينا) في استانبول ليلة رأس السنة تلامس بوضوح حجم المخاطر التي يستشعرها الأتراك نتيجة السياسات الخارجية الخاطئة التي انتهجتها تركيا خلال السنوات الماضية والتي اعتقدت أنها يمكن أن تجلب السعادة للأتراك على حساب تعاسة، وشقاء، ودمار شعوب المنطقة، وخاصة سورية.

توهم رجب طيب أردوغان أنه يمكن أن يكون سلطاناً عثمانياً جديداً، وأن يكون حكام الإخوان القادمون على أنقاض الدول والجمهوريات مجرد ولاة عثمانيين يجمعون الإتاوات، والضرائب من الرعايا، ويعدونهم للسفر برلك وفقاً لشهوات ومغامرات السلطان الجديد، والأوهام التي وضعه بها أصحاب المشروع الأساسي مشروع الشرق الأوسط الجديد.

يروي يوسف قانللي في حرييت ديلي نيوز 4/1/2017 أن آراء أغلبية المحللين في تركيا تتحدث عن حرب سرية عليها تحولت إلى علنية، وأن حلفاء تركيا، المفترضين من الأميركان، والبريطانيين، والألمان، يساعدون ويدعمون ويحرضون الإرهابيين بكل الطرق الممكنة، كما أن الأميركان أصبحوا يسلحون علناً القوى الكردية الانفصالية في شمال سورية، وجنوب شرقي تركيا، وأن الدوائر السياسية في أنقرة لا تخفي قلقها الشديد من تورط حلفائها، وأصدقائها في الغرب في ضرب استقرار تركيا من أجل إعادة رسم الحدود في المنطقة بما في ذلك حدود تركيا نفسها. ومن هنا يمكن فهم سبب التحول التركي في السياسة الخارجية، وزيادة التنسيق مع روسيا، وإبقاء الباب موارباً مع الغرب لتخفيف الأضرار.

وحسب (قانللي) فإنه إذا كانت هذه التصورات، والتحليلات مجرد (هلوسات تركية) فقط فإن الوضع جدي للغاية، وأما إذا كانت ليست هلوسات فقط، وإنما تهديد مباشر لوجود تركيا نفسها فبرأيه أن الأسوأ لم يأت بعد!

لقد سعت قوى التقسيم، والهيمنة إلى استخدام تركيا كحصان طروادة لضرب دول المنطقة، ومجتمعاتها، من خلال توظيف المجموعات الدينية المتطرفة، كواجهة للإخوان المسلمين بهدف تحقيق أكثر من هدف منها تقسيم هذه المجتمعات بداية بين «موالاة ومعارضة»، ثم بين «سني وشيعي» ثم بين «سني علماني وسني متدين» ثم بين «علمانيين- ومتدينين»، وبين «مسيحيين ومسلمين»، وباستخدام كل السُبل الممكنة لمنع الحوار، والمصالحة، والوحدة الوطنية، وها هي تركيا نفسها تقع في شرك ما اعتقدت أنه لن ينعكس على بنيتها الاجتماعية التي تتشابه كثيراً مع مجتمعات المنطقة إذ يجري العمل على تقسيم وتفتيت المجتمع التركي الآن على أسس مختلفة فتارة على أساس (سني- علوي)، وتارة أخرى على أساس (تركي- كردي)، والآن يجري الحديث على أساس (علماني- ومتدين) بعد حادثة ملهى (رينا) في استانبول التي قُدمت على أنها استهداف لنمط الحياة، والحريات العلمانية، وبدأت الصحافة التركية تتناول الموضوع على هذا الأساس في محاولة لتقسيم المجتمع أكثر، إذ تناول مدعو العلمانية الأمر على أنه مس بها، على الرغم من أن مرتادي هذا النادي لا يمثلون إلا أنفسهم، وحرياتهم الشخصية، في حين ذهب تيار ديني متطرف للقول إن هؤلاء (كفار) ومخالفون للشريعة، وبالتالي لا يمكن اعتبارهم (شهداء) حسب ما قال رئيس دائرة الشؤون الدينية في تركيا.

إن هذا الجدل، والتطرف في الرأي الذي تلمسه في الصحافة التركية يريد القول إن مرتادي النادي علمانيون، وإن إرهابي داعش الذي نفذ الجريمة ألحق بهم القصاص- ويمثل الدين الإسلامي، وحقيقة أن الأمر ليس كذلك أبداً، ذلك أن هذه الأجواء تريد توتير المجتمع، وتقسيمه على أسس جديدة، وهو الهدف الذي تسعى إليه العقول المدبرة التي تقف خلف إشعال الحروب وتقسيم دول المنطقة، وشعوبها.

ما من شك هنا أن تاريخ العلمانيين في تركيا، أو على الأقل الحكومات، والانقلابات التي أدارت تركيا طوال العقود الماضية قد تشددت كثيراً تجاه المتدينين، والمحافظين، ومارست أقسى درجات القمع ضد الدين، وعقائد الناس باسم العلمانية، كما مارست فساداً طويلاً- عريضاً، ومقابل هذا التطرف العلماني، جاءت حكومة حزب العدالة والتنمية لتمارس اضطهاداً بحق العلمانيين وتعمل على نقل تركيا من دولة علمانية إلى دولة دينية وهو أمرٌ خطر للغاية لأنه قام أساساً على تسخير الدين لأهداف سياسية، وليس على الارتقاء بالدولة، ومؤسساتها وفقاً لقيم الدين الإسلامي الأخلاقية، فأصبحت تركيا أمام حالة انقسام شديد، وتعارض بين فئات المجتمع المختلفة، وقواه السياسية.

واضحٌ تماماً أن هناك فهماً خاطئاً للعلمانية، وفهماً خاطئاً للدين فالعلمانية لا تعني إلحاداً، ولا خروجاً عن قيم المجتمع، وتاريخه، وإرثه الحضاري بل تعني أنها نظام للدولة يحمي الأديان، والمعتقدات والمذاهب ويصونها بموجب دستور الدولة، ويتحول المسؤول في الدولة إلى ممثل للشعب بمختلف انتماءاته، وليس ممثلاً لطائفة أو معتقد، أو دين، ومن هنا فإن الدعوة للعلمانية ليست في حالة تضاد مع الدين، وقيمه الإخلاقية، بل إن التدين ليس ظاهرة سلبية إذا كان المتدين ملتزماً فعلاً بالقيم النبيلة للدين، وليس الدين وسيلة للوصول لأهداف سياسية، كما أن العلماني يجب أن يحترم عادات مجتمعه، وتقاليده، وموروثه الحضاري والديني، فالسياسة في النهاية انعكاس لواقع المجتمع، وليست قفزاً في الهواء ومن دون إدراك للأرض التي سيهبط فيها.

إن التطورات التي تشهدها مجتمعاتنا، سواءٌ في تركيا، أو في سورية جديرة بالدراسة، واستخلاص العبر. ففي الوقت الذي كانت حكومة أردوغان تلقي على سورية، ورئيسها العظات، والدروس طوال السنوات الماضية ها هي تتجه نحو إلغاء البرلمان، ودوره الفاعل ونحو تقليص الحريات العامة، ونحو نظام رئاسي يضعف التوازن بين السلطات، ولا يحظى بالتأييد الشعبي، ومقابل ذلك يؤكد الرئيس بشار الأسد على المصالحات الوطنية، والتسامح، ولغة الحوار وعلى استيعاب كل من أخطأ بحق بلده، وفتح باب العودة له إذا كان صادقاً، والهدف هو إعادة اللحمة الوطنية، وإطلاق الحوار بين السوريين من أجل إنتاج حل وطني شامل يحظى بإجماع أغلبية السوريين، وتأييدهم، من خلال المدخل الأساسي وهو محاربة الإرهاب من أجل إعادة الأمن والاستقرار.

لم تتعاط الدولة السورية بمنطق العلماني، والمتدين، أو بمنطق المذاهب والطوائف، بل ساهمت كل قوى المجتمع الحية السياسية، والدينية والاجتماعية في مواجهة هذه الحرب العدوانية- الإرهابية، وفي سورية الكثير من النماذج التي يمكن لتركيا أن تتعلم منها، وترى من خلالها الثقافة الحقيقية، والإرث الحضاري للشعب السوري، وهو الأساس المتين الذي ساعد في الحفاظ على سورية ومجتمعها.إن أعداء تركيا ليسوا في الخارج فقط، إنما هم في الداخل أيضاً، وهم أولئك الذين ما زالوا يمتلكون ذهنية داعش، وأخواتها، أو أولئك الذين يرون في العلمانية تفلت

اأخلاقياً من دون ضوابط تحترم عادات المجتمع وتقاليده، وإذا أضفنا لذلك الطموح السلطوي لأردوغان لإقرار نظام رئاسي تنفيذي يتيح له حكم تركيا بمفرده من دون مشاركة أحد- فإنه من حق الأتراك أن يقلقوا كثيراً، فالمشكلة ليست فقط في تغيير السياسة الخارجية الخاطئة- إنما في تغيير ذهنية من يحكم تركيا تجاه الأتراك، وتجاه شعوب ودول المنطقة، والتوقف عن المكابرة، لأنه لا يمكن تجاوز المخاطر الجمة القادمة إلا بوحدة شعوب ودول المنطقة وهذا التحول الإستراتيجي مطلوبٌ، وبشكل عاجل، وشروطه الاعتراف بالأخطاء، وتصحيحها والتخلي عن الذهنية التي ثبت أنها مريضة، وبحاجة للعلاج، وما لم يحدث ذلك- فإن ما ينتظر تركيا هو الأسوأ بالتأكيد، وخاصة إذا ما صحت أقوال المعارضة التركية من أن داعش جند مقاتلين من 70 مدينة تركية، وهذا يفترض البحث عن المخرج الصحيح، والذي على ما يبدو فإن العقلاء في تركيا يعملون عليه، وزيارة رئيس الوزراء التركي إلى العراق تبدو خطوة في هذا الاتجاه، الذي يحتاج إلى خطوة أهم، وهي فتح الأقنية بين دمشق وأنقرة من دون مواربة، أو مداورة، أو إعادة اختراع الدولاب من جديد، فالأسوأ القادم يحتاج إلى جهود استثنائية وعقول استثنائية. 


د. بسام أبو عبد الله
المصدر: alwatan.sy
مواضيع ذات صلة
 
 
 
تركيا: الأسوأ قادم…. ما المخرج؟!
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات