Share
2013-10-11
عدد المشاهدات: 9254

حرب تشرين: معركة دير العدس 12 – 14 تشرين الأول 1973

حرب تشرين: معركة دير العدس 12 – 14 تشرين الأول  1973
مصدر الصورة: سانا

من المشاهد الرائعة، التي تكررت في اللواء 21 ميكانيكي، منظر المقاتلين الصامدين وهم يدمرون أقوى الدبابات الإسرائيلية... وما معركة دير العدس إلا إحدى المعارك، التي تتحدث عن الصمود الحديدي الذي أبدته إحدى كتائب هذا اللواء..

عاش النقيب كمال خزيم رئيس أركان الكتيبة 161 معركة دير العدس بكل مراحلها وتفاصيلها. وها هي كلماته. المدونة بخط يده في مذكراته، تحكي لنا قصة هذه المعركة التي لا تنسى:

«في القطاع الأوسط يشدد العدو هجماته على منطقة دير العدس، فتصدر الأوامر إلى الكتيبة 161 من اللواء 21 ميكانيكي لصد الهجوم هناك، فتندفع من مكان تمركزها في القطاع الشمالي بسرعة فائقة وروح معنوية عالية، وتصل المكان قبل الموعد المحدد، وتتركز فوق التلال المشرفة على أرض المعركة، حيث بدأ قائد الكتيبة الرائد الركن أحمد دليلية يُعطي تعليماته.

- ملازم وجدي تحرك بفصيلتك إلى الأمام وارصد تحركات العدو وأبلغني كل التفاصيل.

انفصلت هذه الفصيلة عن سريتها الثالثة وتقدمت، فاتخذ كل مقاتل مكاناً يستطيع منه رؤية العدو وحركاته وسكناته. اتخذت الناقلات الصاروخية أماكنها وتأهبت لصد أي هجوم معاد.

كان وشاح الليل يضفي على المنطقة هدوءاً مشوباً بالحيطة والحذر، وأعين المقاتلين ترصد كل مكان، ويد كل منهم تتحسس سلاحه وحبات التراب الناعمة.

كان المقاتل محمد «يسرح» بأفكاره، ويتذكر كيف كان يساعد أباه في حراثة الحقل. كانت الأرض أغلى ما عنده، فأقسم على أن يدافع عنها حتى الموت. قطع عليه حبل أفكاره صوت رفيقه:

ـ استيقظ يا أخي فالعدو قد يهاجمنا بين لحظة وأخرى.

ـ لم أنم بل إني أفكر في مصير الأرض والوطن.

ـ واستمرا في حوار طويل عن التراب والبيوت العتيقة والأسر التي شردت من منازلها، وعن مصير هذا الوطن إن لم يكن القتال والدفاع ضارياً، فأدركتهما أشعة الفجر الأولى.

هدر صوت قائد الفصيلة (تأهب) وانهالت رمايات مدفعية العدو الكثيفة ليتبعها زحف بالدبابات. كان رماة الصواريخ على استعداد كامل، ينتظرون بفارغ الصبر أن تصبح الدبابات المعادية على مرمى صواريخهم. تصايحوا من كل مكان. تقدموا أيها الجبناء. لن تمروا أيها الأوغاد. نحن بانتظاركم لن تنسوا هذا الدرس.

تابعت قوات العدو تقدمها من قرب تل قرين وتل مرعي. المقاتلون يبتسمون وأعينهم مثبتة على الأهداف المتقدمة..

ـ العريف المجند منيف (لم يحن الوقت بعد للرمي.. بقي مئة متر.. خمسون.. خذها أيها الجبان) وأطلق صاروخه.. وما هي إلا ثوان قليلة حتى انفجرت الدبابة وعلاها الدخان واللهب.

ـ أصبتها.. أصبتها.. لقد دمرتها..

ـ الجنود: سلمت يداك أيها البطل.

ـ القائد: تابعوا الرمي، كلكم أبطال أشاوس.

ـ أطلق العريف أحمد صاروخاً وهو يصيح:

ـ سأريكم أيها السفلة.. هاهاها، لقد انفجرت «الملعونة» واستحالت كتلة من نار. الدبابات المعادية ماتزال تصلي الموقع نيراناً حامية وهي تتقدم. كانت المسافة التي وصلت إليها كافية لتدميرها حتى بمدفع الناقلة. صاح العريف منيف: (بنت الخنزير بعدها عم تتقدم.. هه) وما هي إلا لحظات حتى اندلعت النار في أحشائها.. وتتابعت الانفجارات في آليات العدو مختلطة بزغاريد الأبطال العرب.

أجال بعض قادة الدبابات المعادية نظرهم في الأشلاء المتناثرة يميناً وشمالاً، فأعطوا أوامر التراجع بعد أن فوجئوا بتلك الإصابات المحكمة والأسلحة الفعالة، ليدعموا قوتهم ويتابعوا محاولة تقدمهم في اليوم الثاني بمزيد من الشراسة والحقد.

جنود الفصيلة يتوزعون في حفرهم ويتسامرون، كأن شيئاً لم يحدث. كانوا يريدون ما هو أكثر، وقد كرهوا الشمس لأول مرة في حياتهم لأنها غابت بسرعة.. كانوا يريدون يوماً طويلاً لاينتهي إلا بالنصر النهائي.

كرر العدو هجومه في اليوم الثاني والثالث فلم يكن حظه بأفضل من اليوم الأول. حطام دبابات، ومعنويات منهارة.. وخوف قاتل أخذ يشل حركة جنوده، فلا يكادون يتقدمون إلا بأوامر قسرية.

وحدث العريف أحمد نفسه: «هذا اليوم الثالث بعدنا ما استفتحنا.. بعدهم ما بينوا.. يا فتاح يا عليم شو هالقصة، بطلوا يقاتلوا. آخ.. ظهرت الملعونة قربي عيوني قربي».

ظهرت دبابة معادية وتبعتها أخرى، وما كادت تصل إلى مدى رمي العريف أحمد، حتى أطلق قذيفة صاروخية وأتبعها بأخرى، فإذا الدبابتان كتلة نار، وإذا بأسطورة (السنتوريون والباتون) حطب تأكله قذائف هذا المقاتل.

أيقن العدو أن هجومه في هذه المنطقة أمر صعب فحاول أن يخلي دباباته المحطمة المحترقة وآلياته المبعثرة. ورغماً عن حب العريف أحمد للنوم، فهو للمرة الأولى يكره أن ينام. لم يغمض له جفن، وبات ينتظر ساعة بعد أخرى.

ظهرت في الأفق رافعة كبيرة ودبابة نجدة جاءتا للغرض نفسه، فصاح العريف أحمد: «الحمد لله جاؤوا.. اقترب يا شاطر اقترب.. أيوه خذها، وأطلق قذيفتين أصابتا الدبابة والرافعة، شوفوا يا شباب أليست هذه النار تلتهم الدبابة مثل النار في أعراسنا القروية».

لم تكن الفصيلة تقاتل منعزلة، بل كانت إلى جانبها وعلى الخط نفسه السرية الثالثة، تدعمها من الخلف سرية الهاون، بينما احتلت السرية الأولى موقعاً خلفياً على يمين تل عريد، وتوضعت فصيلتان كاحتياط على السفوح الأمامية لتل جعفر بيك، وتوسطت قيادة الكتيبة هذا التشكيل.

انسحبت الفصيلة بعد أن أدت مهمتها، غير أن العدو شدد هجماته بعد أن حسب أن المنطقة لاتملك غير هذه القوة الصغيرة، فاصطدم بالسرية الثانية التي كانت قد أخذت مكانها في قرية دير العدس. اندفعت القوات المعادية بعدد كبير يقدر بكتيبتي دبابات، فتهلل وجه المقاتل محمود وقال لرفيقه جاسم:

ـ هذا ما انتظرناه.. نحن على مقربة من العدو الآن.

ـ جاسم: إنها فرصتنا لكي نقاتل. لن نجعل آمال الوطن تخيب فينا.. هل تتذكر كيف كان شعور السكان ونحن نسير إلى الجبهة؟ هل تذكرت مخيمات النازحين التي مررنا بها وأهلها يدعون لنا؟ طلائع الدبابات المعادية تصل إلى السفوح الأمامية لتل قرين وعنتر والعلاقية.. زغاريد عناصر السرية تعلو في كل مكان. النقيب عبد الحميد قائد السرية يصرخ:

اليوم يومكم أيها الرماة، يومكم أيها الأشاوس، يومكم أيها الأحبة، لاأريد أن تنجو من نيرانكم دبابة واحدة.

الجميع بصوت واحد: «لعيونك أبو رامز»

الأهداف المعادية تقترب شيئاً فشيئاً، بينما تدوي صواريخ الرماة وزغاريدهم (محمد ـ ربيع ـ حسين ـ صالح)، فتتحطم الدبابات يميناً وشمالاً. أخذوا يصرخون بدون انتظام على جهاز اللاسلكي ليسمعهم القائد (حطمناها، حطمناها، إنها تشتعل، لقد دمرت)، بينما يتحدث هو بهدوء وثقة:

ـ اهدؤوا أيها الأحبة الأبطال. إنكم تصنعون المعجزات. عليكم الآن أن تدمروا العدو بأعصاب ثابتة.. تذكروا أقوال الرفيق القائد، لا خطوة إلى الوراء.. اهدؤوا فسيعودون بعد قليل.

انسحب العدو ليتقدم بمجموعة جديدة من الدبابات. الفصيلة الأولى من السرية الثانية تراقب الموقف بثبات وحذر.. الأهداف تتقدم.. الملازم الأول يوسف قائد الفصيلة يدفع برماة القواذف (م/د) إلى الأمام ليساعدوا رماة ناقلات الصواريخ.

ازداد تقدم دبابات المعادية فعالجتها صواريخ الفصيلة ودمرت عدداً منها. غير أن الهجمة كانت شرسة وحقودة.. تابع العدو تقدمه حتى مسافة خمسين متراً من الفصيلة، فانبرى له رماة قواذف (ر.ب.ج.) بصواريخهم. وما هي إلا لحظات حتى دمر المجند محمد دبابة منها.

الهجمة تزداد شراسة وجنودنا يزدادون صموداً.. قائد الكتيبة وقائد السرية يأمران بإجراء مناورة، فتحدث خسائر كبيرة في الدبابات المعادية تضطرها فيما بعد إلى الانسحاب.. قائد الفصيلة يشجع عناصره، ويلهم حماستهم، ثم يترك مرصده ويقفز إلى إحدى الحفر بين جنوده، فيتناول القاذف الصاروخي ويدمر دبابة، فتعاجله طلقة رشاش معاد، وتستقر في ذراعه اليمنى وهو يهم بتلقيم قذيفة أخرى.. جنوده يتكومون قربه لتضميد جرحه فيصرخ:

(إنني سليم، اذهبوا إلى أماكنكم دمروا العدو أيها الأبطال.. لن أترككم وفيّ قطرة دم).

سمع قائد السرية الخبر، فدفع حملة النقالات لإخلاء البطل الجريح تحت أزيز الرصاص، فصاح قائد الفصيلة: «لا. لا. لن أترك جنودي».

وبلغ النزيف أشده فحملوه إلى المستشفى.. حل الرقيب عبيهل الأحمد مكان قائد الفصيلة.. خبرات هذا الرقيب الطويلة في الجيش علمته كيف يقاتل، فكان خير خلف للملازم يوسف الجريح.

كان مقاتلو السرية يزدادون حماسة وبسالة يوماً بعد يوم، وصمودهم يفقد العدو صوابه، فيصمم على النيل منهم.. فما كاد فجر السادس عشر من تشرين ينبلج، حتى أخذ يصب نيران صواريخه على السرية، ثم أتبع ذلك بهجوم دبابات كبير من مرتفعات تل عنتر وتل العلاقية وتل مرعي، وعمد في هذه المرة إلى المخادعة، إذ أدار مدافع دباباته إلى الخلف ليوهم أبطال السرية بأنها دبابات صديقة، وعندما أصبح على مسافة 2كم أدار مدافعه باتجاههم، وأرسل سيلاً من قنابلها، فبدأت المعركة الضارية وأخذ رماة الصواريخ يدمرون أهدافهم.

طلب قائد هذه السرية من الملازم ميشيل، قائد سرية الهاون، أن يبدأ الرمي على العدو المتقدم، فانهالت قنابله على ناقلات العدو المجنزرة، واستقرت في قلب الدبابات المعادية وأمامها، فأربكت تقدم العدو وأجبرته على التوقف، مما أتاح لرماة الصواريخ أن يصيبوا أهدافهم، كانت النيران تشتعل في الدبابات المعادية واحدة تلو الأخرى.. وكانت قذائف الـ (ر.ب.ج.) تنطلق بدورها لتلقي الهلع والخوف في صفوف العدو.

مجموعة القواذف التي دفعها قائد السرية إلى الأمام بقيادة الرقيب مجيد، تكيل الضربات القاسية للدبابات المعادية. ولقاء هذا الصمود توقف نسق الدبابات، وبدأ بالالتفاف نحو اليسار باتجاه عين عفا ويسار قرية دير العدس... كان هم العدو تطويق هذه السرية مع سرية الهاون وعزلهما.

أعلم قائد الكتيبة بالوقف، فأعطى أمره بالقتال حتى الاستشهاد، والمناورة بالسرية والدفاع الدائري حتى آخر لحظة. فعمدت سرية الهاون إلى الرمي في كل الاتجاهات.

الرمي كثيف غزير، والاشتباك ضار، والعدو آخذ في تشديد حصاره على السرية التي كانت مثالاً للتضحية والفداء... لم يترك جندي موقعه، تشبثوا بكل شبر من الأرض بقوة وعزيمة.

أخذ قائد الكتيبة يدير المعركة بأعصاب حديدية، ويطلب رمايات المدفعية، ويقود نيرانها ومناورات الوحدات.. أعطى أمراً للسرية الأولى، التي تتمركز في تل عريد، لمساعدة جارتها، وفك طوق الحصار عنها، فأبدت حماسة لاتقل عن حماسة سائر وحدات الكتيبة.

تقدمت الدبابات المعادية، وهي تتوهم أن تلك السرية أصبحت بين فكي كماشة، فعاجلتها صواريخ السرية الأولى بقيادة الملازم الأول محمد، فدمرت ست دبابات معادية. ووسط هذا الوابل من نيران الصواريخ، تم فك الحصار عن السرية الثانية، وعن سرية الهاون، واندحرت الدبابات المعادية وقد خلفت وراءها حطاماً كثيراً متناثراً على أرضنا.

هدأ المقاتلون وأحنوا رؤوسهم فترة إجلالاً لأرواح رفاقهم الشهداء وبدأو بعد قليل يتلمسون تلك الصدوع الأبية في صمت مطبق.. كان تواضعهم وحزنهم لوحة من كبرياء... لقد ردوا العدو على أعقابه، وفوتوا عليه فرصة تحقيق حلمه في الوصول إلى غباغب للسيطرة على محور دمشق-شيخ مسكين-درعا. أما الرقيب الشهيد عبيهل الأحمد قائد الفصيلة الأولى من السرية الثانية، والشهيد صالح بعريني الذي دمر سبع دبابات معادية ظل على مقعد الرمي في الناقلة حتى استشهد، والشهيد حسين الزين الذي دمر أربع دبابات للعدو يسانده الشهيد سائق الناقلة فاروق أبو خليل، فقد دفعوا دماءهم وأرواحهم ثمناً لهذا التراب... اتحدوا به حتى صاروا وإياه كلاً واحداً لايفرقه الموت.

الكتيبة تتحسس ثغراتها وترممها، بينما يستفسر الملازم الأول هاني قائد سرية النسق الثاني:

- ما ذنبنا نحن حتى لانشترك في المعركة؟ لم تقم منا إلا فصيلة واحدة بالاشتباك مع العدو، وكنقطة قتال خارجية، بينما نحن نتحرق شوقاً للاشتباك معه... إنني أطالب باسمي وباسم جنودي أن نزج في المعركة بالسرعة القصوى.

- قائد الكتيبة بلهجة هادئة: على أية وحدة أن تبقي لها احتياطياً، وأن يكون دفاعها عميقاً، وستزج سريتك في المعركة في الوقت المناسب.

بعد أربعة أيام تركزت هذه السرية مكان السرية الثانية في دير العدس، لكن العدو لم يتقدم بعدها، وظل جنودها متشوقين إلى الاشتباك معه، غير أنه لم يظهر وجاء وقف إطلاق النار كغطاء محكم فوق قدر يغلي ماؤه.

الجبهة يسودها الهدوء بعد توقف إطلاق النار، والكتيبة ماتزال مكانها وفوقها ترفرف روح الشهيد عبيهل الأحمد وهو يقول لأحد المرضى في المستشفى:

خذ هذه الخمسين ليرة فليس معي غيرها... أوصلها لزوجتي لتشتري للأولاد ألبسة، فالشتاء قريب والبرد قارس... إذا مت أوصيكم بأولادي، هم أمانة في أعناقكم... سمعت أن هناك مدينة لأبناء الشهداء يتلقون فيها العلم، ويحصلون على كل ما يلزمهم، وإن الرفيق القائد يوليهم عنايته ويشملهم بعطفه... الآن أعرف أن تضحيتي لن تشرد أولادي، فهناك من يهتم بهم.

معارك القطاع الشمالي من الجبهة

في الساعة 14.30 من يوم 11/10 (أكتوبر) 1973، تلقى اللواء المدرع 65 مهمة ملاقاة العدو المتقدم على محور: جباتا الخشب ـ طرنجة ـ بيت جن. وقد أسندت هذه المهمة شفهياً بواسطة اللاسلكي لضرورة السرعة. كان العدو قد بدأ بخرق خط وقف إطلاق النار بعد ظهيرة ذلك اليوم وبعد تركيز جوي ومدفعي كثيفين بقوى مجموعة قتالية مؤلفة من لواءي دبابات ولواء مشاة ميكانيكي. وعندما تلقى اللواء المدرع 65 مهمته القتالية كانت طلائع قوات العدو قد وصلت إلى طرنجة.

أعطى القائد اللواء الركن علي زيود أوامره إلى قائد الكتيبة 363 دبابات مع وسائط تعزيزها ليشكل كتيبة المقدمة في اللواء ويتحرك على الفور لتنفيذ المهمة الملقاة على عاتقه. وعلى الرغم من وعورة الطريق وإشغاله بالقوات الصديقة المنسحبة عليه، فقد تقدمت الكتيبة بجرأة واصطدمت بوحدات العدو المتقدمة في مزرعة بيت جن. كما تحرك في الوقت نفسه مقر رصد قائد اللواء إلى جنوب غربي كفر حور وبدأ يقود معركة كتيبة الطليعة. في حين تحركت سائر وحدات اللواء إلى القطيع الدفاعي متأهبة لدعم أعمال الطليعة وتغذية قواتها... وقد تعرض مقر رصد قائد اللواء وكذلك وحدات اللواء المتقدمة إلى ضربات كثيفة بالطيران وأصيبت عربة قائد اللواء وجرح سائقها كما دمر القصف الجوي أربعاً من دباباتنا.

جرت معركة الطليعة في مزرعة بيت جن وقدم كل عنصر من عناصرها مثلاً حياً في التضحية والجرأة، والاستبسال والصمود. وقد قام قائد اللواء بدعم كتيبة الطليعة وتعزيزها طوال فترة المعركة التصادمية التي استمرت زهاء ثلاثين ساعة متواصلة، حتى أنه أشرك معظم وحدات اللواء في معركة الطليعة.

حاول العدو في أثناء المعركة تطويق قواتنا من اتجاه حرفا-مغير المير، فأعطيت الأوامر إلى سرية دبابات من الكتيبة 365، بالتحرك باتجاه مغير المير. تمكنت هذه السرية من صد دبابات العدو وتدمير سبع دبابات له، فاقدة أربع دبابات مقابل ذلك. وهكذا تم تأمين حماية المجنبة اليسرى للقطيع الدفاعي. وبعد أن تم إيقاف العدو وكسر شوكة هجومه من جراء الخسارة الكبيرة التي تكبدها في الأرواح والعتاد، اضطر للانتقال إلى الدفاع والتشبث بالخط الذي وصل إليه، مزرعة بيت جن ـ تل الشمس. كانت معركة الطليعة من أعنف المعارك التصادمية التي خاضتها دباباتنا ودبابات العدو. وقد كان للاستبسال والشجاعة والمقاومة العنيدة والتضحية دور كبير في شل إرادة العدو المتقدم ومنعه من تحقيق أهدافه وإرغامه على التوقف.

ـ أحد الضباط غير دبابته ثلاث مرات واستشهد في الثالثة.

- أطقم الدبابات أعادت تذخير الدبابات ثلاث مرات خلال المعركة رغم القصف الجوي والمدفعي. وقد استشهد عدد من الرجال في سبيل هذه المهمة.

- أحد العناصر بقي وحيداً في دبابته بعد أن استشهد كل رفاقه، واستمر يرمي في الدبابة إلى نهاية اليوم الثاني من المعركة.

ـ سرية دبابات كانت تدمر بكاملها ولايبقى فيها سوى دبابة أو دبابتين، ومع ذلك تتابع القتال صامدة في مكانها ولاترجع خطوة إلى الوراء، ويستمر صمودها إلى أن يأتيها التعزيز والدعم.

سرية تدمر بكاملها أيضاً، ومع ذلك فإن قائد الكتيبة يعطي أوامره للسرية الثانية لكي تحل محلها، وكان قائد السرية يتقدم بكل رباطة جأش، عالماً أن الذين ذهبوا قبله لم يعودوا... لكنه يقوم بالمهمة ولايسأل عن النتيجة «لقد كان الوطن أغلى من كل شيء» وكانت هتافات رجال الدبابات مسموعة على اللاسلكي (لعيون الأسد ـ لعيون القائد).. وقد اعترف العدو الإسرائيلي بضراوة معركة الدبابات التي جرت في مزرعة بيت جن في إحدى النشرات التي وزعها على عناصره عشية اليوم الثاني من المعركة، تقول النشرة: «إن العمليات الحربية التي نديرها مع السوريين في المزرعة قاسية ومرة... لا فراغ لدينا لنأكل... رجال المدرعات يغوطون في العلب الفارغة المخصصة للأكل... الدبابات تقاتل على مسافة التناطح... دبابة تنطح دبابة».

كانت خسائر العدو في هذه المعركة 31 دبابة ومجنزرة وكانت خسائرنا 26 دبابة، وناقلة ومدرعة واحدة، وعربة صحية واحدة.

في يوم 14/10 (أكتوبر) 1973، تم تنظيم إغارة مشتركة قوامها الدبابات من اللواء 65، والمشاة المغاوير من سرايا الدفاع وقد تكلمنا عن هذه الإغارة بالتفصيل في مكان آخر من هذا الفصل.

وفي اليوم نفسه، وبينما كانت المعركة قد بلغت ذروة ضراوتها على محور حضر-مزعة بيت تجن، وقواتنا تقوم بصد العدو وتدميره بكل بسالة، كانت قواتنا تقاتل العدو أيضاً على محور القنيطرة-سعسع. وهو محور تعرف القيادة العامة شأنه وخطره، لذلك أمرت قائد اللواء 65 أن يقوم بتعزيزه بسريتي دبابات وتم تنفيذ هذا الإجراء على الفور وتقدمت دباباتنا بسرعة فائقة وضربت العدو من جنبه اليساري ودمرت له أربع دبابات ومجنزرتين وأرغمته على التراجع إلى خلف تل شمس.

وفي 15/10 (أكتوبر) 1973 وبناء على تعليمات القيادة العامة، جرى تشكيل مجموعة إغارة مؤلفة من السرية الثانية المعززة بفصيلة مشاة في بيتيما، وسرية مغاوير من الوحدات الخاصة مع ضابط الارتباط المقدم عبد الله شاكر. كانت المهمة تقضي بأن تقوم القوات الخاصة من اتجاه دربل ومن اتجاه جينة بمفاجأة العدو وتدمير كمائنه ودباباته وتمشيط المزرعة من جميع القوات المعادية تحت حماية نيران الدبابات والمدفعية، وبعد ذلك تعطى إشارة إلى الدبابات التي احتلت خطاً على الحد الشمالي الشرقي، للمزرعة، بالتقدم واحتلال جنوب غربي المزرعة، ثم تتقدم قوات أخرى من الدبابات لتعزيز الاحتلال، وقد قام اللواء بوضع سرية دبابات بقيادة قائد الكتيبة /354/ خلف السرية المهاجمة، مهمتها دعم الأعمال القتالية لقوات الإغارة وتعزيز القوات المهاجمة. وكلف قائد الكتيبة ـ 345 ـ بقيادة القوات عند اشتراك السريتين معاً. قام قائد اللواء بتنظيم كمين مؤلف من فصيلة دبابات جنوب كفر حور وكمين آخر من فصيلة دبابات أخرى من الكتيبة ـ 365 ـ عند مغر المير، حاسباً حساب احتمال أي خرق معاد للقوات الأمامية، سواء على محور بيتيما أو على محور بيت سابر.

بدأت العملية على أساس وجود أربع دبابات معادية معززة فقط في المزرعة وكانت ساعة البدء ـ 3.30 وفعلاً بدأ الهجوم الساعة ـ 4.30 ـ ولكن الدبابات المعادية لم تكن أربعاً كما جاء في التعليمات المعطاة، واتضح وجود ـ 17 ـ دبابة مع الصورايخ م/د وغيرها، ولم يمض سوى نصف ساعة على بدء عملية الإغارة حتى طلبت هذه الوقت النجدة حيث تركها العدو تدخل القرية بدون أن تشاهد شيئاً يذكر، لأن العدو انسحب ليلاً من أماكنه التي قامت القوات الصديقة باستطلاعها نهاراً. وعندما دخلت القوات الخاصة، طوقها العدو مما اضطرها لطلب النجدة، عند ذلك أمر قائد اللواء 65 المدفعية بالرمي فوراً على الأطراف. وتقدمت الدبابات لدعم العناصر المطوقة، وبعد مضي وقت قليل، أمكن نجدة القوات المغيرة ولم يبق من عناصر القوات الخاصة إلا القسم المحاصر وهو قليل جداً وبقيت الدبابات تقاتل لوحدها، فعززها قائد اللواء بفصيلة دبابات من اتجاه مغر المير، واستطاعت قواتنا الصمود لأتباعها المناورة والحركة ولاستفادتها من درس المعركة الأول. وقد تقدمت المجموعة والتفت من اليسار. ولولا فقد عنصر المشاة لأمكن استرجاع المزرعة لأن خسائرنا بالدبابات كانت كبيرة بسبب الكمائن المعادية من أسلحة م/د الصاروخية، سواء المحمولة منها على العربات أو الفردية.

في أثناء المعركة، حاول العدو أن يطوق الكتيبة ـ 345 ـ من اليسار من اتجاه حرفا، فكلف قائد اللواء فصيلة دبابات من الكتيبة ـ 365 ـ بالتقدم من اتجاه مغر المير وصد الهجوم المعادي بضربة من الجنب اليميني حيث دمرت له دبابة، واستمر القتال العنيف في هذا اليوم حتى المساء وحتى آخر دبابة. لقد دمر معظم دبابات الكتيبة 345 ولم يبق سوى قائد الكتيبة بدبابته مع أربع دبابات من الكتيبة 365 احتلت الخط المحدد وتمسكت به حتى وقف إطلاق النار.

وكانت نتيجة المعركة كما يلي:

خسائر العدو: 43 دبابة بالإضافة إلى عدد من العربات المجنزرة دمرت بنيران المدفعية والطيران، وعدد كبير من القتلى والجرحى.

أما خسائرنا فكانت تدمير 25 دبابة وعطب ثلاث واستشهاد أو جرح معظم أطقم الدبابات الصديقة المدمرة.

وفي الأيام التي تلت هذه المعركة كان الموقف عبارة عن دفاع هادئ يتخلله محاولات تقدم لقوات العدو على اتجاه المزرعة وعلى اتجاه حرف-مغر المير وكانت تصد بالدبابات والمدفعية، وكانت خسائر العدو في هذه الفترة أكثر من خسائرنا بكثير، وقد تخلل هذه الفترة، في كل يوم تنظيم إغارات على العدو أعطت ثمارها، إذ استولت عناصر الإغارة على ثلاث قواذف صاروخية أرسلت للقيادة ورافق هذه الفترة رمايات متواصلة من المدفعية على محاور التقدم من اتجاه: حرفا المزرعة. أو من اتجاه: الطرنجة-المزرعة. أو على أي تجمع معاد يكتشف بواسطة الرصد.

ومما يجدر ذكره أن الرصد الدقيق الذي قامت به قواتنا كان تأثيره كبيراً في تدمير دبابات العدو ومنشآته وزعزعة قواه المعنوية وإنزال خسائر كبيرة به.

لقد قاتل اللواء المدرع 65 في يومه الأول والثاني في 11 و12/10/1973 وحتى ظهر يوم 13/10/1973 وهو يخوض معارك تصادمية على اتجاه: بيتيما-مزرعة بيت تجن وعلى اتجاه: مغر المير-حرفا، قتالاً بطولياً أجبر العدو على التوقف وقطع أمله باحتلال بيتيما-عين البرج وقطع طريق عيسم الفوقا ـ وموقع جبل الشيخ وفرض الحصار على القوات الموجودة هناك، وبالتالي تهديد قطنا-سعسع. وكان للسيطرة الكاملة التي تمكن منها قائد اللواء وقيادته المباشرة، من مقر رصده المتقدم في كفر حور، تأثير كبير في شجاعة المقاتلين واستبسالهم.

ولم ينتقل اللواء للدفاع إلا في اليوم الثالث من المعركة وبعد أن أوقف هجوم العدو بمعارك تصادمية اشترك فيها أكثر من ثلثي قوات اللواء.

قام هذا اللواء أيضاً بتخصيص جزء من قواته لصد العدو المتقدم على اتجاه سعسع، واستطاع دحره وتحويله عن هذا الاتجاه على الرغم من أن العدو أعلن في إذاعته عن سقوط سعسع بيد قواته، واستطاعت قواتنا دحره إلى مكان أقل خطورة.

إضافة إلى كل ما ذكر، قام هذا اللواء بأعمال نجدة الدبابات والعتاد المدرع وإخلائها تحت تأثير نيران العدو وإعادته إلى المعركة بسرعة متعاوناً في ذلك مع سرايا الإخلاء والنجدة في الجيش التي قامت بدور بارز في هذا المجال.

ومن دواعي الاعتزاز والفخر أن هذا اللواء قد نفذ مهمته بنجاح تام وكان لدوره التأثير الأكبر على تغيير مجرى المعركة ومنع العدو من تحقيق أهدافه في متابعة الخرق في القطاع الشمالي من الجبهة. وكان هذا بفضل روح التعاون والتضافر والشجاعة التي تميزت بها أعمال جميع العسكريين عند تنفيذهم المهام المسندة إليهم بجرأة ورجولة.


ألف ياء الأخبار
المصدر: موسوعة القائد الخالد
مواضيع ذات صلة
 
 
 
حرب تشرين: معركة دير العدس 12 – 14 تشرين الأول 1973
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات