Share
2013-10-10
عدد المشاهدات: 15036

حرب تشرين: معارك جبل الشيخ الدفاعية

حرب تشرين: معارك جبل الشيخ الدفاعية
مصدر الصورة: مواقع الكترونية - صحف - أراشيف

يدور الحديث هنا عن المقاتلين المغاوير، الذي تبدت صفاتهم البطولية في أكثر الأيام بلاءً وصموداً، فوق مرتفعات جبل الشيخ، وإن خلف كل صخرة، وكل تبة، من مأثرة الدفاع البطولي، الذي تجسد في شجاعة المحاربين المغاوير وتفانيهم.

كان جبل الشيخ موضع اهتمام القيادة العسكرية الإسرائيلية الزائد، وكان تفكيرهم مركزاً على استعادة المرصد الذي أقاموه فوق جبل الشيخ، من أيدي القوات العربية السورية. ومنذ أن سقط المرصد المعادي في أيدي المقاتلين السوريين، وعشرات الطائرات الإسرائيلية تغير في موجات على المواقع الدفاعية فوق التباب المحيطة بالمرصد.. وإن ما حدث في 21 و22 تشرين الأول عام 1973 في منطقة جبل الشيخ أمر يفوق التصور والخيال، ففي هذه المنطقة جرت معركة دفاعية مستميتة.. كان زئير الطائرات المنقضة يختلط بالقصف المدفعي ورمي الهاونات، محدثاً دوياً مستمراً... وكان يبدو من المحال في بعض الأحيان، أن يظل المرء حياً، وأن يصمد في هذا الخضم من النيران.

جرت آنذاك مارك طاحنة.. وحارب الرجال ببسالة رائعة، وتفان مدهش، وبطولة انتحارية.. وكانوا يوجهون الضربات إلى العدو الصهيوني، ويلحقون به الخسائر في الأرواح والمعدات.. وانتشرت في هذه المنطقة شظايا المدافع وحطام الدبابات المدمرة والمحترقة.

في هذه المعركة الدفاعية، انعكس كل غضب الشعب العربي، الذي صمم على القتال والاستشهاد. ومنذ بداية المعركة، ومن الساعة الأولى للقتال، كان يسيطر على المقاتلين شعور واحد هو «الصمود».

وخلال ثلاثة أيام، قبل بداية هذه المعركة الدفاعية، كانت الطائرات الإسرائيلية توالي انقضاضها على مرصد جبل الشيخ وعلى المواقع الدفاعية المحيطة به.

وفي الساعة 15.15 من يوم 21 تشرين الأول، اتصل النقيب سليمان الحسن قائد الكتيبة 82 مظلات، بالمرصد الصديق في جبل الشيخ يستفسر عن الموقف. كان الموقف ينبئ عن معركة عنيفة ستدور بالقرب من المرصد الصديق، ولاسيما وإن العدو الإسرائيلي قد ركز نيرانه على هذه المنطقة، منذ الدقائق الأولى للمعركة، تركيزاً خاصاً، وهنا، دوى فجأة صوت طلقات على التباب المحيطة بالمرصد القديم، التي هبطت عليها طائرات عمودية (هليكوبتر) معادية، تحمل مجموعات من «الكوماندوس» الإسرائيليين.

واصل المقاتلون في المرصد القديم مقاومتهم باستماتة وضراوة، ولم يلقوا من أيديهم السلاح. كانت مقاومتهم تزداد مع ازدياد عدد الطائرات العمودية المعادية التي كانت تهبط في منقطة المرصد الصديق. استمر القتال في هذه المنطقة ساعة ونيفاً بشراسة لم يعرف لها مثيل. واستطاعت مجموعة من المقاتلين السوريين، أحاط بها عدو متفوق في العدد والعتاد، أن تدافع عن الأرض الطاهرة بصمود وثبات خارقين. وكان المقاتلون السوريون في المرصد الصديق يقاتلون حتى عندما استخدم العدو نيران مدافع الهاون التي أسقطها بوساطة الطائرات العمودية.

إن المعركة الطاحنة في المرصد القديم، لم تجر فقط على الأرض بعد الإنزال، بل وفي الجو أيضاً قبل الهبوط.

لم يكن هجوم العدو الإسرائيلي على المرصد الصديق إلا تمهيداً للهجوم الكبير على المرصد الجديد الذي احتلته قواتنا في أول يوم من أيام حرب رمضان.

لم يكن أحد يشك في أن العدو الصهيوني، على الرغم من تكبده خسائر كبيرة، وكونه بحاجة ماسة إلى استعادة قواه، سوف يزج بقوى جديدة. وبأعداد كبيرة، من أجل إعادة احتلال المرصد الذي أصبح في أيدي القوات السورية. كانت قوات المظلات والمغاوير تشغل المرتفعات المسيطرة حول مرصد جبل الشيخ، وكانت تتمتع بإمكانية رصد جيدة.

ولم يمض وقت طويل حتى شدد العدو قصفه الجوي ورمايات مدفعيته وهاوناته على منطقة المرصد الجديد، الذي يحتله المقاتلون السوريون.

غربت الشمس، ولكن الجو مازال مضيئاً. وهنا فوق المرتفعات والتباب بدت السماء حمراء كالدم. وليس من الصعب أن تحكم أن سبب هذه الحمرة هو الانفجارات والأنوار الكاشفة، وليس شفق الشمس الغاربة. لقد توهج الليل بومضات ملتهبة، وغرق كل شيء في القصف الشديد الذي يصم الآذان ويهز الأرض.

لم تغمض في هذه الليلة عيون المقاتلين الصامدين. كان عليهم أن يكونوا يقظين كل اليقظة كي لايتيحوا للعدو فرصة التسلل في جنح الظلام، ولايمكنوه من الضربة المفاجئة.

كان المقاتلون المغاوير، الذين يقودهم الملازم الأول محسن سلوم، موزعين على ثلاث مجموعات:

ـ المجموعة الأولى، بقيادة الملازم صبري خازم، تدافع باتجاه مجدل شمس ومسعدة.

ـ المجموعة الثانية، بقيادة الرقيب منير عيسى، تدافع باتجاه بانياس.

ـ المجموعة الثالثة، بقيادة الملازم سميع شحرور، تدافع باتجاه حضر والقنيطرة.

وفي الدقيقة الثلاثين من يوم 22تشرين الأول أخبر قادة المجموعات الملازم الأول محسن أن دبابات العدو وآلياته تتقدم على ثلاثة محاور تؤدي إلى مرصد جبل الشيخ.

ـ محور عين قنية-مرصد جبل الشيخ.

ـ محور مرصد جبل الروس-مرصد جبل الشيخ.

ـ محور مركز التزلج (محور ترابي).

أخبر الملازم الأول محسن بدوره، رئيس أركان الكتيبة 133 مغاوير النقيب صبحي الطيب بالموقف. وكانت تعليمات النقيب صبحي تقضي بالامتناع عن فتح النيران، والسماح للعدو بالتقدم حتى مسافة قريبة جداً.

وفي الدقيقة الخامسة والأربعين بدأت عناصر الأسلحة م/د (ر.ب.ج7) بالرمي على الدبابات المعادية المتقدمة على المحاور الثلاثة. وفي الوقت ذاته أخبر الملازم صبري أن العناصر المعادية ترجلت من الآليات، والتفت حول موقع المجموعة الأولى من الجهة الخلفية. ولم تكد تصبح على مسافة قريبة حتى أمطرها المقاتلون المغاوير بنيران مفاجئة، أثارت في صفوفها الرعب والفوضى. وبعد اشتباك عنيف سقط عدد كبير من الأعداء يقدر بثمانين جندياً، وتم تدمير عدد من الدبابات.

وفي آن واحد، وجه مغاوير المجموعة الثانية ضربة نارية مميتة إلى العدو المتقدم، أشاعت الفوضى في صفوفه. وفي صوت واحد غاضب غطى ميدان القتال، كانت تجلجل صيحة «الله أكبر». ومن الخنادق، والحفر الفردية، تدفق سيل من النيران، وأوقع خسائر كبيرة في قلب القوات المعادية المهاجمة. كانت هذه أول ضربة نارية كاسحة، كبدت العدو خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد. وقد انتهت كل المحاولات الهجومية التي قام بها العدو الإسرائيلي للوصول إلى مرصد جبل الشيخ، لاستعادته من القوات السورية، بالفشل الذريع. وأصبحت المحاور الثلاثة المؤدية إلى المرصد تحت نيران كل أسلحة السرية الثالثة من كتيبة المغاوير 133.

أعطت المواقع الدفاعية، وقد غطتها مدفعية العدو بالقذائف، وطائراته بالقنابل، صورة مشرفة عن الدفاع البطولي الصامد.

ومضى الليل، وأطل صباح يوم 22 تشرين الأول.. عند ذلك لاحظ الجميع أن القصف أصبح الآن قوياً يصم الآذان ويهز الأرض.

اتصل الرقيب أول منير عيسى، قائد المجموعة الثانية بالملازم الأول محسن، وأخبره أن العدو بدأ بإنزال طائراته العمودية شمال غربي المرصد، وأن قوات الكوماندوس الإسرائيلية الهابطة على بعد 500-800 متر، بدأت تتقدم على أنساق، وأن العدو أنزل عدداً من الطائرات أيضاً على المرتفع 1224 الموجود شرقي المرصد، ترجل منها عدد من العناصر المعادية، أقامت كمائن ونقاطاً نارية، راحت ترمي على المرصد من الاتجاه الشمالي والشمالي الشرقي بالتعاون مع القوات المهاجمة، على المحاور الثلاثة السابقة نفسها.

وفي هذه الأثناء كانت المواقع الدفاعية الصديقة معزولة، تحيط بها القوات الإسرائيلية، التي حاصرتها كالخاتم.

اتصل الملازم سميع شحرور بالملازم الأول محسن، وأخبره بان العدو قد بدأ هجومه الثاني مستخدماً الدبابات استخداماً كثيفاً.

ولم يكد العدو يقترب من المواقع الدفاعية الصديقة حتى بدأ الاشتباك بالأنساق المعادية المهاجمة.

ثم فجأة وكما تنقض الصاعقة، انهمرت القذائف على الأنساق المعادية المتقدمة. وغطت سماء المعركة سحب من الدخان والغبار.

سمح المقاتلون المغاوير للعدو بالتقدم نحوهم حتى مسافة قريبة، وفجأة أمطروه بنيرانهم. غير أن الدبابات المهاجمة حاولت على الرغم من ذلك اختراق ستارة النيران والتقدم إلى الأمام. وحاول الإسرائيليون الالتفاف حول قواتنا عن طريق الوديان، إلا أن المقاتلين المغاوير قاموا بمناورة سريعة ووجهوا إليهم ضربة مميتة.

أصبحت المعركة صعبة ودموية بالنسبة للمدافعين عن المرصد، فالقصف الجوي الثقيل، ورمايات المدفعية المتواصلة، وتزايد هجوم القوات الإسرائيلية، والتفوق العددي الكبير ـ كل هذا جعل القتال أكثر عنفاً وضراوة مما كان عليه.. وعلى طول الخطوط الدفاعية، كان يسمع دوي الرشاشات، وقصف مدافع الهاون، وأزيز الرصاص.

ولقد أثارت هذه الاستماتة في المقاومة حنق القادة الإسرائيليين، الذين كانوا يقودون الهجوم على المرصد، فلم يكونوا يتوقعون مثل هذا الصمود.

كان الدخان والغبار يجففان أفواه المقاتلين. وكانوا يعانون في دفاعهم عن المرصد أشد التجارب قسوة وصعوبة. وكان الظمأ أقسى تجربة مروا بها منذ بداية الحرب. وعلى الرغم من هذا، كان المقاتلون يحصلون على الماء من الأعداء أنفسهم.

كانت هذه المعركة الدفاعية قاسية لما تميزت به من طابع العنف والاستماتة، كان المقاتلون يحاربون في ظروف الجوع والإنهاك، ويقاومون العدو في غضب وشجاعة. وحتى أولئك الذين جرحوا أكثر من مرة لم يلقوا السلاح، بل ظلوا يواصلون القتال.

وعلى الرغم من أن الملازم الأول محسن سلوم قد جرح خلال القتال، فقد قام بتضميد جراحه بنفسه بدون أن يعلم أي مقاتل بذلك.

وفي هذا القتال الدامي، وجد المقاتلون المغاوير قوة هائلة في أنفسهم لخوض معركة غير متكافئة، استمرت حتى الساعة 16.45 يوم 21 تشرين الأول، مستخدمين القنابل اليدوية والأسلحة الفردية والجماعية، قاتلين وجارحين عدداً لايستهان به من الإسرائيليين. ولقد أرغموا العدو للمرة الثانية على التراجع، بعد أن أوقعوا الارتباك في صفوفه.

ولم يمض وقت طويل حتى شن العدو هجومه للمرة الثالثة زاجاً في المعركة بقوى جديدة. وفجأة تحولت المرتفعات والتباب المحيطة بالمرصد إلى خط ناري هادر. وعادت مدفعيته تصب قذائفها على المواقع الدفاعية وقد ملأ الدخان والغبار المرتفعات والتباب المحيطة بالمرصد.

نشبت في المواقع الدفاعية الالتحامات المباشرة بالسلاح الأبيض والقنابل اليدوية بين المعتدين الإسرائيليين والمقاتلين السوريين... وارتفع هنا وهناك دوي الانفجارات المفاجئة العنيفة. وصمد المقاتلون المغاوير أبطالاً يواصلون معركتهم الدامية، ومستقبلين في شجاعة عظيمة الهجوم الإسرائيلي. وقد قاوموا بضراوة صامدين فوق التراب العربي، وحاربوا بعنف وهم يفكرون في الوطن، وفي إخوانهم الذي ضحوا بأرواحهم وهم يدافعون عن كل شبر من أرض الوطن. لم يبد أمام أعينهم أي شيء سوى النصر أو الاستشهاد.

إن مأثرة هؤلاء المقاتلين المغاوير مثل من أمثلة الإخلاص والوفاء الذين أبداهما المقاتلون العرب تجاه الأمة والوطن.

ولن ينسى رفاق السلاح الشهيد الرقيب الأول منير عيسى الذي استشهد وهو يؤدي الواجب العسكري في أشرف معركة دفاعية بطولية، والشهيد المجند محمد نور المنجد، الذي كان صائماً، وكان يردد «ما أحلى الشهادة في رمضان» والشهيد العريف نايف كنعان، وغيرهم من الشهداء، الذين سجلوا بدمائهم صفحة رائعة من صفحات التضحية والفداء.

لقد سقط المرصد بيد العدو في الساعة الثامنة والنصف من صباح 22/10/1973 بعد أن تكبد العدو ما يقارب ألف وخمسمائة إصابة بين قتيل وجريح (600 قتيل و900 جريح)، وبعد أن نفذت الذخيرة من أيدي الرجال الذين استهلكوا خمس وحدات نارية في أقل من أربع وعشرين ساعة. أما خسائرنا فكانت 76 شهيداً و123 جريحاً و73 أسيراً.

كان اللواء الخامس الجبلي الذي وصل من القطر العراقي الشقيق للمساهمة في حرب تشرين التحريرية هو الوحدة النموذجية بنظر الإخوة ضباط الارتباط العراقيين لاسترداد مرصد جبل الشيخ من يد العدو وذلك لخبرته في خوض الأعمال القتالية في الجبال وبالفعل فقد تم إسناد المهمة لهذا اللواء من قبل القيادة السورية كما تم تعيين ضباط الاتجاهات الذين سيوجهون اللواء الخامس الجبلي إلى مهمته الجديدة.

وفي صباح 22/1/1973 تحرك اللواء المذكور من منطقة قطنا باتجاه جبل الشيخ على محور بقعسم-عرنة، إلا أن هذا اللواء لم يتمكن من الوصول إلا إلى مشارف عرنة، لتعرضه إلى القصف الجوي المعادي وإلى رمايات الهاون المعادية وقفل راجعاً إلى قاعدة انطلاقه في تل أبو سية.

سادساً: استنتاجات عن اقتحام الجولان:

1- لقد أثبتت المعارك الضارية التي خاضتها القوات البرية في الجيش العربي السوري في حرب تشرين التحريرية أهمية التخطيط الدقيق للعملية الهجومية. وللأمانة التاريخية وتقديراً للرجال الذين وصلوا الليل بالنهار، وأقصد بذلك جهاز الأركان العامة وعلى الأخص شعبة العمليات في الجيش العربي السوري، أرى ما يدعوني لأن أقول كلمة في حقهم.

لقد بذل رئيس شعبة العمليات وضباطها وصف ضباطها جهوداً مضنية وسهروا ساعات طويلة من أجل إعداد الدراسات اللازمة للخطة الهجومية وكانوا، كلما شكلنا وحدة قتالية جديدة، يتقدمون بمقترح جديد لتطوير الخطة. وكنا ندرس الموضوع دراسة كافية، في مجلس الدفاع العسكري، وأحياناً كثيرة، في لجنة المتابعة، وهي مجموعة من الضباط منبثقة من مجلس الدفاع العسكري، وعندما ننضج الخطة ونشبعها دراسة كنا نعرض الموقف على القائد العام للقوات المسلحة الفريق حافظ الأسد الذي كان يسأل عن كل شاردة وواردة في الخطة، وعندما تحصل لديه القناعة التامة كان يهز برأسه دليلاً على الموافقة ويقول لنا: «طيب.. توكلوا على الله»... وفي إحدى المرات رجوت القائد العام أن يخصص لنا من وقته خمس دقائق لدراسة التعديلات الجديدة التي أدخلناها على الخطة فقال لي: خمس دقائق فقط؟.. فأجبته ربما نحتاج أكثر من ذلك بقليل ولكننا نكتفي من وقتكم بساعة واحدة. فقال: إذا كان ساعة واحدة فأنا موافق.. فقلت له: نرجو أن لانأخذ من وقتكم أكثر من ذلك.. وذهبنا إلى غرفة العمليات وجلسنا ثلاث ليال كاملة، كل ليلة (5-6 ساعات).

2- برهنت حرب تشرين أيضاً على أهمية الحشد على قطاعات الخرق. فعندما كنا نحشد قوى متفوقة على العدو بنسبة ثلاثة إلى واحد على أي قطاع في الجبهة كان الخرق يتم حسب الخطة الموضوعة.. وكذلك الأمر بالنسبة للعدو عندما حشد قوات متفوقة تمكن أن يحقق بعض النجاح في القطاع الشمالي من الجبهة، وهذا يدلنا على أهمية مبدأ حشد القوى كمبدأ رئيسي من مبادئ الحرب.

3- تعتبر معارك الدبابات التي جرت في الجولان في حرب تشرين التحريرية من أعنف المعارك التي خاضتها الدبابات في التاريخ العسكري، قديمه وحديثه، سواء من حيث العدد أو من حيث النوع، أو بالعنف والشراسة التي اتسمت بهما معارك الدبابات. فقد التحمت أكثر من ألف دبابة سورية بأكثر من ألف دبابة إسرائيلية في الأسبوع الأول من الحرب، وبلغت المعارك ذروة العنف عندما كانت الدبابات الصديقة والمعادية تتقارب حتى التناطح.. وفي «معركة كفر نفاخ»، على سبيل المثال لا الحصر، كانت المسافة التي تفصل بين دبابة المقدم عزت زيدان من اللواء المدرع 91 (الفرقة الأولى)، وهي من نوع ت 62 روسية الصنع، وبين الدبابة المعادية وهي من نوع باتون 60 الأمريكية الصنع، لاتتجاوز ثلاثمائة متر، وتشاء الصدف أن يسدد المقدم عزت على الدبابة المعادية بنفسه وفي آن واحد كان رامي الدبابة الإسرائيلية يسدد كذلك الأمر على دبابتنا وما هي إلا ثوان حتى دوى انفجار طلقتين، فقد أصاب المقدم زيدان الدبابة المعادية في نقطة اتصال البرج من جسم الدبابة، فانقذف البرج إلى مسافة عشرين متراً عن مكان الانفجار. أما رامي الدبابة الإسرائيلية، فقد أصابت طلقته المنظار الموشوري لقائد الدبابة (البيرسكوب). ودخلت إحدى عشرة شظية زجاجية في عيني المقدم عزت. وعلى الرغم من إصابته بهذه الجراح في عينيه ووجهه، لم يسأل عن حالته وإنما كانت أول كلمة له: ماذا جرى بالدبابة الإسرائيلية؟.. وقد أسفرت معارك الدبابات الطاحنة في الجولان عن تدمير قرابة تسعمائة دبابة إسرائيلية من مختلف الأنواع كما دمر لنا زهاء ألف دبابة.

4- أثبتت الصواريخ المضادة للدبابات فعاليتها في حرب تشرين التحريرية، فقد أحدثت خسائر لابأس بها في دباباتنا أثناء اجتياح الجولان كما أوقعنا خسائر جسيمة في دبابته عند محاولته توسيع الخرق والتقدم باتجاه دمشق.

5- أثبتت المدفعية السورية تفوقها الساحق على المدفعية الإسرائيلية في حرب تشرين التحريرية. ففي رمايات التمهيد، عند ظهيرة اليوم الأول للحرب، حولت الجولان إلى جحيم حقيقي.. وفي أيام الحرب كلها، لم تطلب القيادة من المدفعية أية مهمة نارية إلا وأنجزتها خلال 5 دقائق على الأكثر. وكانت نسبة احتمالات إصابتنا للأهداف المعادية أكبر بكثير من نسبة احتمالات إصابة المدفعية المعادية لأهدافها، وفي إحدى المقابلات الميدانية التي أجرتها صحافية أمريكية لجندي إسرائيلي في حرب رمضان سألته ماذا تتمنى من الله في هذا الوقت.. فأجابها «أتمنى من الله أن يحقق لي أمنية واحدة هي أن يرفع نيران المدفعية السورية عن رؤوسنا».

6- أثبت الجندي السوري في حرب تشرين التحريرية شجاعة فائقة، سواء في اقتحام المانع الهندسي الكبير الذي أقامه العدو خلف خط وقف إطلاق النار أو في الاقتحام الرأسي لجبل الشيخ. كما أثبت الجنود المغاربة شجاعة كبيرة في أثناء مشاركتهم رفاقهم السوريين في اقتحام تحصينات الجولان. كما ضرب جنود جيش التحرير الفلسطيني أمثولة رائعة في احتلالهم تل الفرس من الجو.

ونستطيع أن نقول القول ذاته عن الجنود العراقيين والأردنيين والسعوديين والكويتيين الذين أسهموا في حرب رمضان مع الجيش السوري في الأيام الأخيرة من الحرب.


ألف ياء الأخبار
المصدر: موسوعة القائد الخالد
مواضيع ذات صلة
 
 
 
حرب تشرين: معارك جبل الشيخ الدفاعية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات