Share
2013-10-10
عدد المشاهدات: 8386

حرب تشرين: مأثرة الرقاد

حرب تشرين: مأثرة الرقاد
مصدر الصورة: مواقع الكترونية

في الساعة 9:30 من يوم 26/6/1970 قام طيران العدو بشكل مفاجئ بقصف المعسكرين رقم 4 و5 من معسكرات عدنان المالكي في قطنا، كما قام حتى الساعة 12:00 بتعزيز مواقعه الأمامية في مواجهة الفرقة السابعة، بعد ذلك، بدأ بقصف المواقع الأمامية في تل الظهور ورويسة القنديل واوفانا وتل صاحي وتل الأحمر بالمدفعية والهاون والدبابات، حيث قامت قواتنا بالرد على مصادر النيران بشكل متقطع حتى ساعة انطلاق الإغارة على نقطة استناد جسر الرقاد المعادية.

أبلغني الرفيق الأسد وزير الدفاع في الساعة 15:45 في 26/6/1970 بضرورة وأهمية تخفيف الضغط على الفرقة الخامسة في القطاع الجنوبي وطلب إلي أن أتصل بالعميد الركن صباح الأتاسي قائد الفرقة السابعة لتكليف إحدى سرايا الدبابات المعززة باجتياز خط وقف إطلاق النار والإغارة على نقطة استناد جسر الرقاد.. وعلى الفور اتصلت هاتفياً بقائد الفرقة وأعلمته بتوجيهات القائد الأسد وإن عليه أن ينفذ الإغارة بعد ساعة واحدة فقط من صدور الأمر. وقال لي العميد صباح: سيادة اللواء ألا تشاركونني الرأي بأن مدة ساعة مهلة غير كافية لإنجاز المهمة؟.. فأجبته من الناحية العسكرية والعملياتية معك الحق.. ولكن أوامر وزير الدفاع واجبة التنفيذ، وعلينا جميعاً أن نتذكر ما تعلمنا في الكلية الحربية في اليوم الأول إن واجب الجندي أن ينفذ الأمر أولاً ثم يعترض ثانياً إذا شاء..

فأجابني: سوف أنفذ الأمر ولن أعترض أبداً.

ـ وفي الساعة 16:15 قامت مدفعيتنا وهاوناتنا مع الدبابات والقوانص والأسلحة المضادة للدبابات في الفرقة السابعة بالاشتباك مع مواقع العدو على كامل مواجهة الفرقة عدا قطاع اللواء 41 مشاة، وذلك بقصد تضليل العدو ليقوم بدفع احتياطاته بعيداً عن قطاع دفاع هذا اللواء. وفي الوقت نفسه، تحركت سرية دبابات من اللواء 68 مشاة باتجاه تل الهوى، كما تقدمت سرية دبابات من اللواء 52 مشاة باتجاه نبع الصخر ـ الرويحينه، وذلك بعملية خداعية لصالح الإغارة المبيتة، على نقطة استناد الرقاد المعادية، كما تحركت في الوقت نفسه سرية دبابات من فوج الدبابات 78 إلى منطقة أيوبة لدعم اللواء 41 مشاة إذا دعت الضرورة.

تحت ستار هذه النيران الكثيفة، وفي الساعة 16:45 تقدمت سرية دبابات من الكتيبة 169 دبابات من اللواء 41 مشاة، معززة بالمشاة من مواقعها في منطقة تل الشعار على محور خان أرنبة-الرقاد. وعند وصولها إلى الحد الأمامي للصديق، قامت الدبابات والقوانص وأسلحة الرمي المباشر لمواجهة نقطة استناد جسر الرقاد بالرمي عليها بغزارة ودقة، ثم تابعت سرية الدبابات تحركها على يمين الطريق العام (غرباً) وقامت باقتحام النقطة المذكورة من الناحية الشمالية حيث توقفت الدبابات على مشارف النقطة وقامت عناصر المشاة المحمولة المعززة للسرية بتطهير النقطة، ثم انسحبت بعد ذلك عناصر الإغارة إلى المواقع الدفاعية تحت ستار كثيف من رمايات المدفعية والهاونات الصديقة إلا أنها تعرضت خلال تحركها وانسحابها إلى قصف شديد من الطيران المعادي مما أدى إلى تدمير الناقلة المدرعة التي كانت تحمل عناصر المشاة قرب النقطة واستشهاد عنصرين كما قام الطيران المعادي، إثر الإغارة بقصف مرابض الفوج 17م/ط والكتيبة 168 مدفعية من اللواء 41 مشاة واستمرت الاشتباكات حتى الساعة 20:00 حيث توقفت على كامل مواجهة الفرق السابعة. وقد تمكنت سرية الدبابات من الانسحاب بكاملها دون خسائر تذكر.

هذه هي خلاصة عملية الرقاد كما وردت في وثائق العمليات، إلا أن وراء هذه العملية قصة حقيقية من قصص البطولة النادرة، سطرها ببساطة وتواضع بعض رجالنا البواسل من جنود الفرقة السابعة، ننقلها بأمانة وعفوية كما وردت على لسان القادة والجنود الذين خاضوا هذه المعركة المشرفة وزعزعوا إلى حد كبير أسطورة العدو الذي لايقهر كما حطموا بإيمانهم وعزيمتهم وتضحياتهم، غرور وتبجحاته منذ حرب حزيران من العام 1976.

ـ بدأت هذه القصة يوم 26 حزيران 1970، الساعة 16:30، عندما انطلقت السرية الثانية دبابات من الكتيبة 169 دبابات من اللواء 41 مشاة مع جماعة مشاة من السرية الخاصة لهذا اللواء بمهمة اقتحام موقع الرقاد المحصن وتدمير حاميته، بهدف تخفيف الضغط عن رفاق السلاح في القطاع الجنوبي من الجبهة (الفرقة الخامسة) الذين تعرضوا لهجوم مدرع كما أسلفنا عند الحديث عن معركة القطاع الجنوبي.

ـ انطلقت السرية الثانية دبابات بإمرة قائدها الملازم الأول عمر حميدة، وعبرت الخندق الأول الصديق في حوالي الساعة 17:00 باتجاه الرقاد، ترافقها ناقلة مدرعة تحمل 11 عنصراً من السرية الخاصة للواء 41 مشاة وما كادت هذه السرية تعبر الخندق الأول حتى سارع العدو إلى إرسال طائرات الفانتوم لتدمير السرية قبل بلوغ هدفها.

كانت المعركة قاسية جداً بين رجالنا وطائرات العدو التي كانت تتعاقب على موجات متلاحقة وتقصف سريتنا بالصواريخ والقنابل والرشاشات. استمرت هذه المعركة الضارية حوالي الساعتين والنصف منذ انطلاق السرية وحتى عودتها سالمة إلى الخطوط الصديقة.

وهكذا تابعت دباباتنا القديمة (ت-43) تقدمها رغم كل شيء حتى بلغت الهدف. هنا فتحت نيران مدافعها ورشاشاتها على عناصر الموقع فدمرت قسماً من منشآته وتحصيناته ثم بدأ رجالنا بالترجل من الناقلة التي كانت على مسافة /300م/ من الموقع المذكور عندئذ انفجر بينهم صاروخ معاد أصاب الناقلة وجرح ثلاثة من رجالنا بينهم الرقيب الأول رجب الساعي قائد الجماعة، واستشهد اثنان هما المجند محمود قوسي والمجند محمد حبيب البيوش كما جرح المجند محمد منيف صبوح، رامي الرشاش، ثم ما لبث أن استشهد فيما بعد عند دخوله إلى الوحدات الصديقة عندما كان يرمي من رشاشه الخفيف على طائرة منقضة، فأصابته إصابة مباشرة.

أما الرجال الستة الآخرون، الذين تركوا قائدهم الجريح قرب الناقلة يضمد جراحه، فقد قرروا تنفيذ المهمة واقتحام موقع الرقاد المحصن بعد أن قسموا أنفسهم إلى قسمين: مجموعة للاقتحام ومجموعة للحماية.

تألفت مجموعة الاقتحام من العريف فضل الله حرب قائد المجموعة والعريف المجند عصمت سلامة والعريف المجند أسعد حمادة. كما تألفت مجموعة الحماية من العريف المجند مصطفى المكيس والمجند حمدان مصطفى والمجند ناصر وهبة.

تقدمت مجموعة الاقتحام نحو مدخل الموقع المعادي، وما كادت تبلغه حتى فاجأها العدو برمايات غزيرة من رشاش ثقيل. هنا قام العريف مصطفى المكيس والمجند حمدان مصطفى رامي السلاح المضاد للدبابات (ر.ب.ج-7) والمجند ناصر وهبه.

تقدمت مجموعة الاقتحام نحو مدخل الموقع المعادي، وما كادت تبلغه حتى فاجأها العدو برمايات غزيرة من رشاش ثقيل. هنا قام العريف مصطفى المكيس والمجند حمدان مصطفى رامي السلاح المضاد للدبابات (ر.ب.ج-7) والمجند ناصر وهبه بالرمي على الرشاش المعادي فدمره بثلاث قذائف (ر.ب.ج-7) وبعدة رشات من أسلحتهم الفردية. عند مدخل الحصن، أصيب قائد المجموعة العريف فضل الله حرب، فوقع على الأرض وأخذ يضمد جراحه طالباً من رفيقيه متابعة المهمة تحت حمايته وتغطيته.

دخل البطلان الموقع المحصن وحدهما يحملان معهما كل الحقد على الظلم والعدوان وكل الحب لشعبنا النبيل وأرضنا الطيبة. وما كاد العدو يشعر بأن جنودنا داخل الموقع، حتى انقسم إلى قسمين: قسم خرج من الملجأ محاولاً الاختفاء داخل الخنادق، وعددهم حوالي عشرة جنود، فاستقبلهم البطلان عصمت وأسعد برشات غزيرة من الأسلحة الفردية وبالقنابل اليدوية، بينما هرب من مخرج النقطة قسم آخر باتجاه قرية الحميدية (وعددهم خمسة جنود)، حيث تصدى لهم الملازم أول عمر حميدة بعدة قذائف من دباباته فقتلهم على الفور.

بعد أن انتهى العريف عصمت سلامة والعريف أسعد حمادة من قتل معظم جنود العدو، وكادت تنفذ ذخيرتهما وقنابلهما اليدوية، عادا تحت قصف الطيران إلى الخطوط الصديقة دون أن يصابا بأي خدش «فلا نامت أعين الجبناء...».

أما العريف فضل الله حرب، الذي انتهى من تضميد جراحه وتغطية رفاقه، فقد رفض العودة قبل أن يضع ما يحمله من قنابل يدوية في طلاقة إحدى المنعات المعادية القريبة، مدمراً من بقي فيها من رجال. كذلك عادت مجموعة الحماية التي كان يقودها العريف المجند مصطفى المكيس، بسلام رغم التدخل المستمر للطيران المعادي.

وهكذا عادت جميع عناصرنا ودباباتنا عدا المجندين محمود قوسي ومحمد حبيب البوشي.

هنا بدأت المأثرة الرائعة الجديدة لجنودنا الأبطال في البحث عن زميليهما المفقودين: فعلى الرغم من التعب والقصف الجوي، طلب رجالنا السماح لهم بالعودة ثانية للتفتيش عن زميليهما المفقودين. ومن جديد دخل العريف عصمت سلامة والعريف أسعد حمادة والعريف مصطفى المكيس إلى الأرض المحتلة ولم يعودوا إلا بعد العثور على جثتي الشهيدين محمود قوسي ومحمد حبيب البوشي إلى جانب الناقلة المحترقة، فحملوهما وعادوا بهما إلى الخطوط الصديقة مقسمين على الثأر والانتقام.

 

خسائر الطرفين على طول الجبهة في ذلك اليوم المشهود:

 

أ ـ العدو:

1- مقتل 15 جندياً في نقطة استناد جسر الرقاد.

2- احتمال وقوع الخسائر التالية نتيجة اشتباكات الفرقة السابعة:

ـ تدمير دبابة في نقطة استناد سحيتا بمن فيها من عناصر.

ـ تدمير 3 منعات رشاش في نقطة استناد سحيتا بمن فيها من عناصر.

ـ تدمير منعة م/د في نقطة استناد سحيتا بمن فيها من عناصر.

ـ تدمير 3 منعات رشاش في نقطة استناد رويسة الحمراء بمن فيها من عناصر.

ـ تدمير مرصد في نقطة استناد رويسة الحمراء بمن فيه من عناصر.

ـ تدمير دبابة وناقلتين مدرعتين في جسر الرقاد.

ـ تدمير مرصد تل الشيخة.

ـ تدمير محطة رادار شمالي القحطانية.

ـ تدمير منعتين ودبابة في تل الذهب بمن فيها من عناصر.

ـ إسكات بطاريات مدفعية العدو وهاوناته في المواقع التالية (نبع المشيرفة ـ مرج بقعاتا ـ جورة أبي عبد الله ـ تل الشيخة ـ ظهرة الزبدة ـ ظهرة إبراهيم ـ ظهرة الخوين ـ ظهرة عساف ـ الحميدية ـ الغسانية ـ الريحانية).

ـ إحداث تدمير كبير في مرصد جبل الشيخ مع خسائر فادحة في معسكر الريحانية والغسانية.

ـ إسقاط طائرتي ميراج هوك في منطقتي تل أبي الندى والقنيطرة.

 

ب ـ الصديق:

ـ الشهداء: صف ضابط+4 أفراد.

ـ الجرحى: النقيب محيي الدين توتنجي فوج (17م/ط) + 8 صف ضابط +4 أفراد.

ـ المفقودون: فرد واحد.

ـ الخسائر بالعتاد: تدمير ناقلة مدرعة تحمل جهازين لاسلكيين 112 و113.

 

أخيراً، لابد، قبل انتهاء الحديث عن هذه المأثرة الرائعة، من التنويه بدور رجال المدفعية في فوج المدفعية والألوية الذين نجحوا في الحيلولة دون وصول احتياطات العدو إلى موقع جسر الرقاد على كافة المحاور رغم شراسة الطيران المعادي. كما ظل رجال المدفعية المضادة للطائرات يقفون كالأبطال صامدين لحماية إخوانهم من الصنوف الأخرى رغم تعرضهم للغارات الجوية المتواصلة.

 

أصداء معارك الأيام الثلاثة

أثارت أنباء الانتصارات التي حققتها قواتنا المسلحة في «معارك الأيام الثلاثة» من شهر حزيران 1970 ضد العدو الصهيوني مشاعر التقدير والإكبار في الأوساط العربية والدولية، واحتلت الصدارة في الصحف العربية التي أجمعت على أن بطولات قواتنا المسلحة في البر والجو تعتبر تطوراً جديداً وإيجابياً ستكون له آثاره القريبة والبعيدة في منطقة الشرق العربي.

كما عرفت البرقيات العديدة، التي تلقتها قيادة القوات المسلحة العربية السورية، عن مشاعر الفخر والإعجاب والأمل الذي غمر الجماهير العربية والقوات المسلحة في أنحاء الوطن العربي كافة.

وأسهمت الصحافة في نقل أصداء هذه المعارك للشعب العربي في جميع أقطاره مشيرة إلى الأحداث القتالية الرائعة، ومشيدة ببطولة الجيش العربي السوري وهجماته الجريئة التي كبدت العدو خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

وأبرزت المعنويات العالية في تجاوز حرب المواقع في عام 1967 وانتقلت إلى التحرك المنظم والمبادرة الواعية. ورأت في الحدث مرحلة هامة على طريق التحرير الذي يخطط له عملياً حيث كان لابد من أعمال تعرضية، وتعامل جدي مع العدو، فحرب التحرير لاتنطلق مرة واحدة من الخنادق.

ولابد من التنويه أخيراً في هذا المجال بأهم البرقيات التي تلقاها السيد الفريق حافظ الأسد، وزير الدفاع والتي تلقيتها أنا كرئيس لهيئة أركان الجيش والقوات المسلحة.

ـ فقد تلقى السيد الفريق الجوي حافظ الأسد، وزير الدفاع، البرقية التالية من الماريشال أندريه غريتشكو وزير الدفاع السوفييتي آنذاك جاء فيها:

«الفريق الجوي حافظ الأسد، وزير الدفاع في الجمهورية العربية السورية المحترم.

«إن القوات المسلحة السورية الباسلة قد ردت برجولتها وبطولتها المعهودة التي تتميز بها على الغزاة الإمبرياليين رداً حاسماً في يوم 26 من الشهر الجاري عندما اعتدى الإسرائيليون على القطاع الجنوبي من الجبهة، فأحبطت نواياهم وذلك بتدمير 25 دبابة معادية و250 جندياً وضابطاً وإبطال عشر سرايا مدفعية. ثم أردف الماريشال غريتشكو يقول:

«كما أن الطيارين السوريين قد أظهروا مهاراتهم العالية في الطيران وجرأتهم المتناهية، وكانت أعمال قوات الدفاع الجوي ماهرة وسليمة، مما أدى إلى إسقاط 11 طائرة معادية وتدميرها.

ـ السيد الوزير: إننا سررنا بنجاحاتكم القتالية، وأرجوكم أن تتقبلوا تهانينا الصريحة وأتمنى للشعب السوري الباسل وقواته المسلحة حياة حافلة بالانتصارات الجديدة من أجل سحق الغزاة الإسرائيليين سحقاً نهائياً.

كما تلقيت أنا، كرئيس لهيئة الأركان، البرقية التالية من السيد الفريق محمد أحمد صادق، رئيس أركان حرب القوات المسلحة في الجمهورية العربية المتحدة:

«إن البطولة والاستبسال اللذين أبدتهم القوات المسلحة في الجمهورية العربية السورية بمهاجمة قوات العدو في الأرض المغتصبة وتدميرها لقواته قد ضاعفت من إيماننا جميعاً بحتمية النصر في المعركة المصيرية.

أرجو أن تتقبلوا خالص تحياتي وتقدير رجال القوات المسلحة في الجمهورية العربية المتحدة إلى الأبطال في الجمهورية العربية السورية». كما تلقى السيد الفريق وزير الدفاع سيلاً من البرقيات من مختلف المنظمات والنقابات في المحافظات كافة، تشيد بالموقف البطولي الذي وقفه الجيش العربي السوري في مواجهة قوى الغدر والعدوان، معاهدين سيادته على الاستعداد للفداء والبذل والعطاء.


ألف ياء الأخبار
المصدر: موسوعة القائد الخالد
مواضيع ذات صلة
 
 
 
حرب تشرين: مأثرة الرقاد
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات