Share
2013-10-10
عدد المشاهدات: 2786

حرب تشرين: سماء المعركة

حرب تشرين: سماء المعركة
مصدر الصورة:

قال الدكتور مصطفى طلاس في موسوعته: قبل الحديث عن سماء المعركة في حرب تشرين التحريرية، لابد من العودة قليلاً إلى الوراء لنلقي نظرة سريعة على سلاح الطيران الإسرائيلي الذي أدمينا أنفه في الساعات الأولى من الحرب،... ثم قصمنا ظهره في يوم 11 تشرين 1973، اليوم الخالد الأغر... (الذي اعتبر عيداً للدفاع الجوي السوري فيما بعد).

اهتمت إسرائيل بسلاح الطيران منذ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى 1948. وفي العدوان الثلاثي على مصر (1956)، لم يقم سلاح الطيران الإسرائيلي بدور بارز بسبب المجهود الجوي الضخم الذي قدمته بريطانيا وفرنسا في حملة السويس.. أما في عدوان حزيران 1967، فقد اختلف الأمر، إذ قام سلاح الطيران الإسرائيلي بالدور الأكبر في المعارك التي جرت على الجبهات الثلاث، المصرية والسورية والأردنية، فمنذ الساعات الأولى من اليوم الخامس من حزيران، سيطر سلاح الطيران الإسرائيلي على سماء المعركة وأخل بتوازن الجبهات العربية. ولهذا دأبت إسرائيل، بعد عدوان حزيران 1967، على تقوية سلاحها الجوي وتجهيزه بأحد أنواع الطائرات القاذفة المقاتلة، والطائرات القاذفة المتوسطة، وطائرات النقل والطائرات العمودية، وطائرات التدريب. كما وجهت اهتمامها إلى الصناعات الجوية، وأقامت العديد من المصانع الحربية لترفد سلاح الطيران وتكون في خدمته.

لم تكتف إسرائيل بذلك، بل لجأت إلى الناحية النفسية لكي ترهب العرب بسلاح طيرانها، كما عمدت إلى تسخير العدد الكبير من دور الصحف والمجلات العالمية ومحطات الإذاعة والتلفزيون التي يسيطر عليها اليهود على قسم كبير منها بوسائل شتى، لتشيد بمزايا طائرة «الفانتوم» الأمريكية، و(معناها بالإنكليزية الشبح) والتي تشكل العمود الفقري في سلاح الطيران الإسرائيلي، ولتنتقص من شأن الطائرة المقاتلة «الميغ 21» الروسية الصنع التي تشكل بدورها العمود الفقري لسلاح الطيران العربي، زاعمة أنها عاجزة عن مواجهة الطائرة الفانتوم لعدة أسباب.. ومما يؤسف له أن يقع عدد كبير من أجهزة الإعلام العربية، عن قصد أو دون قصد، في مخطط الفخ الصهيوني، وأن تتسابق بعض الصحف والمجلات العربية وبعض محطات الإذاعة والتلفزيون في نشر مزايا الفانتوم والتنويه بأن الميغ 21 أصبحت طائرة متخلفة لاتليق بالحروب المعاصرة. كنا نسمع هذا الكلام وندرك أن إسرائيل تهدف من ذلك إلى شن حرب نفسية قذرة على طيارينا لتشكيكهم بقدرة سلاحهم على مواجهة العدو الجوي الإسرائيلي، لأن العسكري عندما يفقد ثقته بسلاحه، وهو يستخدمه في مقارعة عدوه، يكون قد خطا تلقائياً أول خطوة إلى الخلف أي إلى التهيب من ملاقاة العدو. وعندما رأت إسرائيل أنها حققت بعض النجاح في مخططها، انتقلت إلى تخويف الشعب العربي كله.. وإرهابه بواسطة سلاح طيرانها. فعندما كان يحدث أي اشتباك بسيط على أية جبهة عربية، بعد عام 1967، كان الطيران الإسرائيلي هو الذراع الطويلة التي تتولى الرد بعنف على مخيمات الفلسطينيين وعلى القرى الآمنة في جنوب لبنان وجنوب سورية وشمال الأردن متذرعة بحجة لجوء الفدائيين الفلسطينيين إليها واتخاذها قواعد لهم. وأثناء معارك الاستنزاف التي جرت على الجبهتين المصرية والسورية في صيف 1970 أرادت إسرائيل أن يقوم سلاح طيرانها بالدور البارز في الاشتباكات اليومية. وإضافة إلى ذلك، قامت قيادة سلاح الطيران الإسرائيلي بتجميع نخبة طياريها في سرب واحد يبلغ عدد طياريه 25-30 طياراً. وهؤلاء يطلق عليهم عادة في الاصطلاح الشائع لدى الطيارين لقب «آس» «ACE» أي طيارة درجة أولى، (صياد) مطارد «Chasseur»، وكانت قيادة سلاح الطيران الإسرائيلي تخطط باستمرار لعمليات اشتباكات جوية محدودة درست دراسة دقيقة، سواء على الاتجاه الجوي السوري أو على الاتجاه الجوي المصري، وكنا نستدرج لهذا الاشتباك ونقع في الفخ الإسرائيلي على الرغم من معرفتنا أنه من تخطيط إسرائيل. ولم ينج رفاق السلاح في مصر من هذه المقالب الساخنة، كما أن الطيارين السوفييت الذين جاؤوا إلى مصر لتغطية الأهداف الإستراتيجية وقعوا أيضاً في هذا الفخ وتم استدراجهم لاشتباك جوي إسرائيلي مخطط وسقط خمسة طيارين سوفييت في أقل من خمس دقائق، في اشتباك جوي حدث في سماء القاهرة وغربي قناة السويس، في صيف 1970. وكانت خسارتنا في هذه الاشتباكات أكثر من خسارة الإسرائيليين.. ضاق طيارونا ذرعاً بذلك وكذلك رفاقهم في جمهورية مصر العربية وألحوا علينا أن نطلب من الرئيس الأسد أن يضغط على أصدقائنا السوفييت لكي نحصل على طائرة أفضل من الميغ 21، وكان الفريق حافظ باعتباره طيار قتال قديماً، من الطراز الأول يفهم كل ما يدور في خلد الطيارين السوريين. وعلى الرغم من ذلك فقد كان يناقشهم مدة ساعات طويلة في مزايا الميغ 21، وكان يؤكد لهم دوماً أن الطيارين الإسرائيليين ليسوا في مستوى طياري السرب المخصص للاشتباكات الجوية المخطط لها، وأننا عندما ندمر هذا السرب «الملعون» فستهون الأمور وعند ذلك سترون أنكم أفضل بكثير من الطيارين الإسرائيليين.. وكان الرئيس حافظ يؤكد باستمرار للطيارين ولغيرهم من ضباط مختلف الصنوف، أن السلاح الموجود في أيدينا، هو أفضل من سلاح العدو وأن الفضل يعود دائماً للجندي الذي يستخدم السلاح أكثر مما يعود للسلاح نفسه.. وأن الإنسان هو العامل الأساسي في الصراع المسلح.

وهكذا كنا نمتص النقمة التي تتولد في نفوس طيارينا بعد كل اشتباك جوي مخطط مع طائرات العدو على عتادنا القتالي.. ولرفع معنويات الطيارين، وافق الفريق حافظ الأسد القائد العام للجيش والقوات المسلحة على اقتراح قيادة القوى الجوية، وهو أن يرمي كل طيار مقاتل صاروخاً حربياً (جو-جو) قبل خوض حرب تشرين التحريرية (رغم كلفة الصاروخ المادية الكبيرة).. وكانت النتائج رائعة للغاية وقد فاقت ما كنا نتوقعه. وهكذا ازدادت ثقة الطيارين بطائراتهم ووثقوا من قدرتهم على إصابة الهدف المعادي وتدميره ومن جودة سلاحهم، في آن واحد.


ألف ياء الأخبار
المصدر: موسوعة القائد الخالد
مواضيع ذات صلة
 
 
 
حرب تشرين: سماء المعركة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات