Share
2013-10-10
عدد المشاهدات: 13188

حرب تشرين: دخول الأرض المحررة وتبادل الأسرى

حرب تشرين: دخول الأرض المحررة وتبادل الأسرى
مصدر الصورة: سانا

«إنهم واهمون، إنهم جناة على أنفسهم، إن الأمة التي حاربت في تشرين، هي الأمة التي تعرف الطريق إلى تشرين آخر».

حافظ الأسد

دخول الأراضي المحررة

قال الدكتور مصطفى طلاس في موسوعته: تم دخول الأراضي المحررة على أربع مراحل اعتباراً من 6 حزيران وحتى 26 منه في العام 1974، ولايمكن للإنسان أن يصف مشاعر الفرح والابتهاج لدى الجنود الذين دخلوا المنطقة المحررة، وفي اليوم المحدد اصطحبت رئيس هيئة الأركان، ورئيس شعبة العمليات، ومدير إدارة الاستطلاع، ومدير إدارة المهندسين، وقائد الفرقة السابعة، وتوجهنا نحو «سعسع» حيث تابعنا ميدانياً العملية، وكانت المفاجأة لطيفة لأنني لم أكن أتصور أن بين جنودنا عشرات الموهوبين والفنانين حقاً فهذا حمل عوداً والآخر ربابة، وغيره الأكورديون وبعضهم الدربكة، وعلى أنغام هذه الجوقة الموسيقية التي ولا أروع تم دخول المناطق المحررة بفرح لم أر مثيلاً له في حياتي وهذا ما عزز الفكرة الموجودة لدي وهي: أن لاشيء في الدنيا يعادل بهجة النصر على العدو.

 

عملية تبادل الأسرى

تمت عملية تبادل الأسرى على مرحلتين الأولى في 6/6/1974 والثانية في 10/6/1974. وفي الموعد المحدد زحفت إلى مطار دمشق الدولي جماهير غفيرة من المواطنين لاستقبال المقاتلين الأبطال الذين وقعوا في الأسر خلال حرب تشرين التحريرية. وقد حطت في الساعة العاشرة والدقيقة الأربعين طائرتان تابعتان للصليب الأحمر الدولي تقلان الرجال العائدين بعد أن أمضوا في سجون العدو «الإسرائيلي» قرابة ثمانية أشهر حيث استقبلتهم الجماهير بالهتاف والتصفيق.. وشارك في الاستقبال الرفيق عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي، والسيد محمود الأيوبي رئيس مجلس الوزراء والسيد جورج صدقني وزير الإعلام. كما كان في استقبالهم بعض الرفاق وأعضاء القيادتين القومية والقطرية، وكبار ضباط الجيش والقوات المسلحة، وعدد من السادة السفراء والضباط العرب، وذوي الأبطال الأسرى الذين كانوا يهبطون من الطائرتين وهم يلوحون بأيديهم للجماهير المحتشدة التي كانت تهتف بحياة الوطن وتحيي أبطاله وقيادته.

كان أول النازلين من سلم الطائرة المقدم الطيار عدنان الحاج خضر الذي قام بنقل مجموعة الإنزال الجوي على «كفر نفاخ»، وعند وصوله أرض المطار سجد شكراً لله وقبل تراب الوطن الغالي. وقال ذوو الأبطال العائدين: إن فرحتنا بهم عظيمة خاصة وأنهم يعودون إلى أرض الوطن، بعد أن أدوا الواجب المقدس في معارك تشرين التحريرية. كما عبروا عن شكرهم للرئيس القائد حافظ الأسد وكل المسؤولين في القطر الذين أحاطوا ذوي الأبطال العائدين بكل عناية في غيابهم. كما استقبلوهم بكل حفاوة تليق بمقاتلينا الشجعان.

وفي 10/6/1974 كنا على موعد لاستقبال الدفعة الثانية من الأسرى العائدين من سجون إسرائيل. فقد تم الاتفاق على هذا الموعد بين الطرفين، وأخذت معي مجموعة من الضباط وفي مقدمتهم اللواء يوسف شكور رئيس هيئة الأركان ومدير إدارة الاستطلاع اللواء جبرائيل بيطار ومعاونه العقيد إبراهيم العمر والعقيد وجيه طيارة ضابط الارتباط مع هيئة الأمم المتحدة.. بالإضافة إلى مئات المواطنين من أهالي الأسرى وأقاربهم.

كان المناضل شكيب أبو جبل هو السجين الأقدم بالمجموعة.. صحيح أنه لم يشارك في حرب تشرين المجيدة لأنه كان في السجن منذ العام 1962، ومن هذا المنطلق كنت أعطف عليه أكثر من غيره. كانت زوجته وابنتاه الطالبتان في جامعة دمشق معنا في الاستقبال، وأطل شكيب من الباص واستقبلته بالأحضان وتركته لأهله وذويه. وكر خلفه بقية الأسرى في الباصات الأخرى. كان الأسرى يرتدون ثياباً متواضعة قدمها لهم الصليب الأحمر الدولي كما تدل على ذلك الشارات البارزة على القمصان والكنزات. وكانت فرحة الضباط والجنود السوريين عارمة بوصول رفاق السلاح وخلاصهم من ربقة الأسر الإسرائيلي.. ولكن الفرحة الحقيقية كانت فرحة أهالي الأسرى بوصول أبنائهم فكانت دموع الفرح تغرق الوجنات، والجميع مبتهج بعودة الغائبين.

أما بالنسبة للأسرى الإسرائيليين فقد كان عددهم 56 ضابطاً وجندياً، بينهم اثنا عشر طياراً. وقبل سفرهم إلى تل أبيب سألني اللواء ناجي جميل قائد القوى الجوية: كيف يجب أن نلبس الأسرى؟..

قلت له: أرسل أحد الضباط إلى محلات آسيا في الصالحية واشتر لكل منهم بزة جديدة وقميصاً وكرافات... وبعد ربع ساعة عاود الاتصال من جديد وقال البزة العادية بمئة ليرة سورية، أما البزة (اللامية) فهي بمئة وعشرين ليرة.

قلت له: إذن اشتر للجميع بزات (لامية) وقل للأسرى الإسرائيليين: إن الأسير الإسرائيلي الذي لايرتدي البزة والقميص والكرافات لن يغادر إلى إسرائيل. ومع أن العملية لم تكلفنا أكثر من خمسة عشر ألف ليرة سورية فإن صداها الإعلامي بدا مدوياً.. كانت الصحافة الإسرائيلية قد عبأت الجمهور الصهيوني بأن سورية لم تحسن معاملة الأسرى وغداً سوف نجدهم بحالة مزرية للغاية. وعندما فتحت طائرة الصليب الأحمر أبوابها وأطل الأسرى الإسرائيليون بلباسهم المقصب الذي بدأ يلمع تحت الشمس، قالت الصحافة الإسرائيلية في اليوم التالي: لقد أخجلنا العميد طلاس بكرمه.. فقد كنا نتصور أسرانا سيعودون إلينا هذا حامل يده في عنقه والآخر يمشي على عكازة.. الخ. أما أن نراهم على هذا الشكل من القيافة والنظافة والهندام الحسن فهذا لم يكن يخطر على بالنا أبداً.

لقد عاملنا الأسرى «الإسرائيليين» المعاملة التي تفرضها علينا الأخلاق العربية والأعراف العسكرية والدولية، ووفرنا لهم العناية الصحية اللازمة وهذا ما شاهده الجميع بأعينهم. وكنا فيما عملناه منطلقين من تمسكنا بالأصول الدولية لمعاملة الأسرى. لقد سمحنا لهم أن يمارسوا طقوسهم الدينية ووفرنا لهم وسائل التسلية الأخرى، وقد اعترفوا بذلك بأنفسهم ليس لنا فقط بل للصحفيين الأجانب الذين قابلوهم بالأمس.

ذلك بينما كانت حالة أسرانا لاتتفق والمبادئ الإنسانية أو معاهدة جنيف ولم تقدم «إسرائيل» العناية الطبية اللازمة ويدل على ذلك جروحهم التي تعفنت. لقد أتينا بهم إلى المطار دون أن نعصب عيونهم ومررنا بهم في شوارع رئيسية في دمشق. بينما وضعت «إسرائيل» العصابات السوداء على أعين أسرانا حتى دخولهم طائرة الصليب الأحمر التي أقلتهم إلى دمشق.


ألف ياء الأخبار
المصدر: موسوعة القائد الخالد
مواضيع ذات صلة
 
 
 
حرب تشرين: دخول الأرض المحررة وتبادل الأسرى
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات