Share
2013-10-10
عدد المشاهدات: 11767

حرب تشرين: القوات الجوية الإسرائيلية.. ووسائط الدفاع الجوي السوري وأعمالها القتالية

حرب تشرين: القوات الجوية الإسرائيلية..  ووسائط الدفاع الجوي السوري وأعمالها القتالية
مصدر الصورة: سانا

تعتمد إسرائيل اعتماداً كبيراً على سلاحها الجوي في تنفيذ أعمالها القتالية كافة. وقد وقفت كل إمكاناتها، على تجهيز سلاحها الجوي، تدعمها الصهيونية العالمية والولايات المتحدة الأمريكية بأحدث الطائرات، وهي تأخذ بعين الاعتبار ظروف العمل في منطقة أعمالها القتالية. كما جهزت إسرائيل مسرح عملياتها الحربية بشبكة كشف وإنذار وقيادة فعالة، بالإضافة إلى منظومة الدفاع الجوي التي تعتمد أساساً على صواريخ أرض-جو من طراز (هوك) والعين الحمراء والمدفعية الكلاسيكية المضادة للطائرات، التي يعمل معظمها على الرادار لتغطية المدن الكبرى والقواعد الجوية الرئيسية والأهداف الحيوية. يضاف إلى كل ذلك أيضاً الوسائط الالكترونية الحديثة المستخدمة للاستطلاع، وللتشويش اللاسلكي الراداري.

ولإسرائيل أسلوب خاص في استخدام سلاحها الجوي، فهي تعتبره القوة الضاربة الأساسية في قواتها المسلحة ووسيلة رئيسية لإخراج الطيران العربي من المعركة مع تأمين صنوف قواتها الأخرى.

وضعت القوى الجوية الإسرائيلية الأسس التالية لتنفيذ مهامها في العملية الدفاعية:

1- إحباط التحضيرات العربية للهجوم.

2- صد هجمات الطيران العربي.

3- كسب السيطرة الجوية.

4- دعم القوات الإسرائيلية التي تقوم بالضربات المعاكسة.

5- عزل ميدان المعركة.

6- تغطية قوات المؤخرة وأغراضها.

7- تنفيذ الإنزالات الجوية وتأمين أعمالها القتالية.

8- إجراء الاستطلاع الجوي.

9- نقل الحمولات وإنقاذ الركب الطائر وإخلاء الجرحى.

وقد وضعت قيادة القوى الجوية الإسرائيلية الخطط التفصيلية لتنفيذ المهام المذكورة آنفاً.

 

قوام القوات الجوية الإسرائيلية القتالي:

تملك إسرائيل زهاء 680 طائرة، منها 437 طائرة قتالية مؤلفة من:

ـ 112 طائرة قاذفة مقاتلة من طراز فانتوم ف4.

ـ 160 طائرة قاذفة مقاتلة من طراز سكاي هوك.

ـ 50 طائرة قاذفة مقاتلة من طراز ميراج س3 «C3».

ـ 20 طائرة ميراج (نسر) تجميع المعامل الحربية الإسرائيلية وتصنيعها.

ـ 50 طائرة قاذفة مقاتلة من طراز ميستر وسوبر ميستر.

ـ 15 طائرة قاذفة مقاتلة من طراز فوتور.

ـ 30 طائرة قاذفة مقاتلة من طراز أورغان.

ـ 243 طائرة نقل وطائرات عمودية مختلفة (هليكوبتر) وطائرات تشويش لاسلكي.

 

يتمركز معظم الطائرات المقاتلة، والمقاتلة القاذفة في أربع قواعد جوية رئيسية هي:

ـ مطار رامات دافيد.

ـ مطار حاسور.

ـ مطار عاقر.

ـ مطار حاتسريم ومطار عيتسيون.

وتملك إسرائيل أيضاً عدداً كبيراً من المطارات الثانوية والمطارات الميدانية يصل مجموعها إلى 51 مطاراً في فلسطين المحتلة وشبه جزيرة سيناء والضفة الغربية. كما أقامت أيضاً 24-26 موقعاً لصواريخ أرض-جو من طراز هوك الأمريكي الصنع ومدفعية مضادة للطائرات بيفورز من عيار 400مم، رادارية ومدافع مضادة للطائرات من أعيرة مختلفة بين 20-40مم، ورشاشات ثقيلة من عيار 12.7مم مضادة للطائرات أيضاً، كما يملك العدو الإسرائيلي قدرة كبيرة على بث التشويش الراداري، الإيجابي والسلبي، وخلق التشويش اللاسلكي على مقرات القيادة والطائرات من الأرض وفي الجو بأجهزة مركبة على طائرات الفانتوم وستراتو كروزر وعلى الطائرات العمودية، بالإضافة إلى طائرات التشويش والاستطلاع الموجهة لاسلكياً.

 

 أعمال القوات الجوية السورية، القتالية:

كلفت القوى الجوية والدفاع الجوي بالمهام التالية، لتأمين عملية الجيش السوري الهجومية:

1- إضعاف التجمع الجوي المعادي.

2- صد الضربة الجوية الكثيفة، الجوابية أو الوقائية، المعادية.

3- دعم القوات البرية وإنارة أرض المعركة.

4- تغطية القوات البرية وأغراض المؤخرة والأهداف الحيوية.

5- تنفيذ الإنزالات الجوية وتأمين أعمالها القتالية.

6- مكافحة الإنزالات الجوية والبحرية المعادية.

7- إجراء الاستطلاع الجوي.

8- نقل الحمولات وإنقاذ الركب الطائر وإخلاء الجرحى.

كما أسند للقوى الجوية توجيه ضربة جوابية، إذا قام العدو بتوجيه ضربة إحباط إلى الجبهة المصرية.

قرر قائد القوى الجوية تنفيذ المهام المسندة إليه على الشكل التالي:

في (يوم 1) سعت 4.00، تكون القوى الجوية والدفاع الجوي بكامل قوامها القتالي، بالتعاون العملياتي مع طيران الجبهة الغربية، مستعدة لتنفيذ ضربة جوية كثيفة إلى مطارات العدو ومقرات قيادته في رامات دافيد، مجيدو، عين شيمر، سان جين، مرصد جبل الشيخ، ومقر القيادة في ميرون ورادار النبي يوشع وذلك بقوام (80) طائرة قاذفة مقاتلة تركز جهدها الرئيسي على مطار رامات دافيد، وعند ملاحظة نشاط جوي للعدو غير عادي يستدل منه على أن العدو على علم مسبق بنوايانا وخططنا، تقوم الطائرات المشتركة في الضربة والتي أقلعت من مطاراتها، بتسديد ضربتها إلى مقرات توجيه طيران العدو في ميرون وجبل الشيخ وتل الفرس، وإلى أماكن تحشد وحداتها المدرعة في حرش مسعدة وكفر نفاخ. وتكرر الضربة الأولى بنصف قوامها، على الأقل، بعد ساعتين وحسبما يقتضي الموقف. كما خصصت بعض الأسراب لتغطية القوات ووضعت أربعة رفوف مناوبة في الجو. وتم تخطيط الجهد الجوي اللازم للإنزالات وأعمال الاستطلاع. وأعطيت التوجيهات ليكون الصراع ضد الإنزالات الجوية والبحرية بقوام القوى الكامل. وركزت الجهود الرئيسية للقوى الجوية والدفاع الجوي لإضعاف التجميع الجوي المعادي وتغطية الأهداف الإستراتيجية في عمق البلاد.

 

وقد صادق القائد العام على قرار قائد القوى الجوية. وبناءً على ذلك وضعت القوى الجوية الخطط التالية:

1- خطة إضعاف التجمع المعادي.

2- خطة تقديم الدعم التكتيكي للقوات.

3- خطة صد الضربة الجوية الكثيفة.

4- خطة الإنزالات الجوية.

5- خطة الاستطلاع الجوي.

6- خطة التعاون بين الطيران المقاتل والصواريخ والمدفعية المضادة للجو.

وقد روعي أثناء وضع الخطط أن تكون الخطة مرنة وقادرة على التكيف حسب ظروف التنفيذ وذلك بوضع خطط بديلة تتلاءم ومختلف المهام المحددة، كي تكون الخطط السابقة مرنة ومتلائمة أيضاً وطبيعة المواقف الجوية التي يمكن أن تنشأ في أثناء التنفيذ.

 

سير الأعمال القتالية:

يوم (ي1) 6/10/1973

أ ـ الصديق: تم التحضير للضربة الجوية الأولى بكتمان تام، كما ذكرنا. وأسندت المهام القتالية إلى قادة الألوية الجوية، قبل بدء العملية بخمسة عشر يوماً، وإلى قادة الأسراب قبل أربع وعشرين ساعة.

بعد تدقيق المهام، واشتراك قادة الألوية الجوية بالتدقيق، في يومي ي-2، وي-1، انتقل قائد القوى الجوية والدفاع الجوي إلى مقر قيادته التعبوي صباح ي-1، انتقل قائد القوى الجوية والدفاع الجوي إلى مقر قيادته التعبوي صباح ي-1، ورفع جاهزية القوى الجوية والدفاع الجوي إلى الكامل، تنفيذاً لتوجيهات القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، واطلع على جاهزية الوحدات للتنفيذ من جميع القطعات الجوية ووسائط الدفاع الجوي.

ابتدأت الأعمال القتالية بتطبيق الخطة البديلة، للصراع من أجل كسب السيطرة الجوية وذلك بتوجيه ضربة جوية كثيفة إلى الأهداف التالية:

ميرون، مرصد جبل الشيخ، حرش مسعدة، تل أبو الندى، كفر نفاخ، تل الفرس. كما وجهت في آن واحد رشقة صواريخ أرض-أرض من طراز (لونا) إلى مطار رامات دافيد. كما قامت القوات الجوية بتسديد ضربتها الجوية حسب الخطة الموضوعة.

كان الموقف رائعاً للغاية، فمنذ 1948، وبتحديد زمني أكثر دقة، منذ قيام الكيان الصهيوني في فلسطين، لم تشهد الأمة العربية في تاريخها الحديث هذا العدد من الطائرات يقلع من سبع قواعد جوية وهو يتجه لينفذ المهمة المحددة.. التي طالما تشوقنا إلى تنفيذها..

هل كان ثمة من يصدق، قبل حرب تشرين التحريرية، أن سورية قادرة على توجيه ثمانين طائرة قاذفة مقاتلة إلى العدو الإسرائيلي في الوقت الذي تضع فيه أربعين طائرة مقاتلة مناوبة في الجو من طراز ميغ 21، بينما تكون بقية الطائرات جاهزة في المطارات، للإقلاع على الفور، عند تلقي أية مهمة قتالية، وهي في حالة الاستعداد رقم (1).. أجل.. لقد كان هذا يعد قبل حرب رمضان من أحلام اليقظة.. أما بعد حرب رمضان.. فقد أصبح حقيقة واقعة حية.

لايمكن للمرء أن يصف شعوره بالاعتزاز، عندما يشاهد ثمانين طائرة من طائراتنا تتوجه إلى أهدافها في فلسطين المحتلة وروابي الجولان الحبيب على ارتفاع منخفض لايجاوز بأي حال الـ 50 متراً. كما أن المرء لايستطيع أن يتصور مدى فرحة العناصر الفنية في القوى الجوية وهم يقومون بواجبهم في تذخير الطائرات وملئها بالوقود والهواء المضغوط وتحميلها بالقنابل والصواريخ.. لقد كانوا يعملون بصمت وهدوء، إنما بفعالية فائقة، وحركاتهم السريعة والمستمرة غدواً ورواحاً، تجعل المكان كخلية نحل، يحفزهم ويعمر قلوبهم الإيمان العميق بقضيتنا العادلة والحقد الأسود على الصهاينة الغزاة الذين يدنسون أرضنا ومقدساتنا باحتلالهم البغيض.

عبرت طائراتنا خط الكشف الراداري المعادي، ولم يشعر بها الأعداء فكأنهم قد {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم غشاوة}.

وما هي إلا دقائق حتى كانت طائراتنا تنقض على أهدافها وتفرغ حمولاتها من القنابل والصواريخ، ثم تعود إلى قواعدها سالمة، باستثناء أربع طائرات أسقطتها وسائط الدفاع الجوي المعادي (مدفعية م/ط + صواريخ أرض-جو من طراز هوك).

وبينما كانت طائراتنا تعود إلى مطاراتها بعد أن نفذت الضربة الجوية الإسرائيلية الأولى، كانت هناك رشقة من صورايخ أرض-أرض من طراز «لونا» جاهزة للانطلاق إلى مطار (رامات دافيد)، فقد كانت هذه القاعدة الجوية الإسرائيلية الهامة هدفاً مثالياً لهذا النوع من الصواريخ..

أعطيت الأوامر بإطلاق أول رشقة وما هي إلا ثوان حتى كانت الصواريخ على مساراتها تتوجه إلى هدفها المحدد، ومرت الصواريخ (لونا) فوق مدينة طبرية وهي تصفر كالثعابين، فبعثت في نفوس السكان اليهود الخوف والذعر. وبعد مرور دقيقتين على إطلاقها، وصلت إلى هدفها مطار (رامات دافيد) وألحقت به أضراراً ثابتة.

وفي آن يكاد يكون واحداً، تم الإنزال الجوي على جبل الشيخ: قامت به الوحدات الخاصة بوساطة أربع حوامات وتمكنت قواتنا من تحرير جبل الشيخ، كما ذكرنا في فصل سابق.

بعد ذلك انتقل الطيران المقاتل والقاذف إلى دعم القوات البرية مباشرة، كما قام الطيران المقاتل بتغطية القوات والأهداف الإستراتيجية في القطر.

 

نفذت القوات الجوية:

80 طلعة طائرة لإضعاف التجميع الجوي المعادي (الضربة الجوية الأولى).

36 طلعة دعم أرضي.

4 طلعات إنزال جوي بالطائرات العمودية (مي8).

148 طلعة تغطية للقوات ومظلات جوية فوق المطارات.

268 المجموع

الخسائر: 4 طائرات، أشرنا إليها سابقاً، أسقطتها وسائط الدفاع الجوي المعادي.

ونستطيع القول أننا حققنا في اليوم الأول:

ـ تنفيذ الضربة الجوية الأولى تنفيذاً ناجحاً وتحقيق المفاجأة التامة.

ـ تنفيذ الإنزال الجوي على جبل الشيخ تنفيذاً ناجحاً.

ـ تأمين مهام التغطية تأميناً ناجحاً.

أما العدو، فقد قام بتغطية قواته وأغراض المؤخرة، كما حاول إيقاف تقدم قواتنا المهاجمة بتقديم الدعم الجوي لقواته، وقد حاول، لتحقيق هذا الهدف، مهاجمة كتائب صواريخنا المضادة للطائرات التي تغطي قوات النسق الأول، ولكنه أخفق في ذلك.

نفذ العدو في يوم (ي1) 443 طلعة جوية.

وكانت خسائره ثلاث طائرات أسقطتها وسائط دفاعنا الجوي.

يوم (ي2) 7/10/1973

تابعت القوى الجوية والدفاع الجوي تغطية القوات والأهداف الإستراتيجية في عمق القطر، كما نفذت مهام الدعم الجوي للقوات البرية التي اقتحمت الجولان، وكذلك مهمة الإنزال الجوي في تل الفرس ومهام الاستطلاع الجوي. وقد بلغ عدد طلعات القوى الجوية مائتين وأربعاً وخمسين طلعة جوية، منها ست وأربعون طلعة دعم جوي، وأربع طلعات إنزال جوي.

وعلى الرغم من أن هذا اليوم كان يوم الدفاع الجوي بلا منازع، فقد نفذت القوى الجوية مهمة تغطية القوات القائمة بالهجوم ودعمها، كما نفذت مهمة إنزال جوي بالطائرات العمودية على تل الفرس ـ كما ذكر في الفصل الرابع ـ إضافة إلى مهام الاستطلاع بالتصوير والنظر، وقد تمكنت القوى الجوية من تحقيق السيطرة الجوية فوق منطقة الأعمال القتالية واشتبكت بطيران العدو ست مرات. وتم إسقاط خمس عشرة طائرة إسرائيلية في مجمل الاشتباكات الجوية كما خسرنا 15 طائرة كذلك.. غير أن خسائر العدو الباهظة كانت بوسائط الدفاع الجوي لاسيما الصواريخ منها، إذ بلغ ما أسقطناه بوساطتها في اليوم الثاني أربعاً وأربعين طائرة إسرائيلية فيصبح مجموع ما أسقط للعدو في اليوم الثاني من المعركة تسعاً وخمسين طائرة. وهو رقم لاتستطيع تحمله دولة كبرى ولذلك كان كارثة حقيقية.

يوم (ي3) 8/10/1973

نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة دعم القوات المهاجمة في الجولان. وقد ركز على دعم فرقة الدبابات الأولى كما نفذت القوى الجوية مهمة استطلاع بالصور وقامت بنقل المؤن والعتاد الحربي إلى قوات الإنزال الجوي في جبل الشيخ وتل الفرس. كما قامت بصد الغارات الجوية التي قامت بها طائرات العدو على مراكز الرادار والمطارات وبلغ عدد الاشتباكات الجوية أحد عشر اشتباكاً، أسقطنا للعدو فيها اثنتين وعشرين طائرة وفقدنا 20 طائرة، منها اثنتان دمرتا على الأرض في مطار الناصرية، كما بلغت خسائر العدو بالوسائط المضادة للطائرات ثلاثاً وعشرين طائرة وبذلك تكون خسارته في اليوم الثالث من المعركة خمساً وأربعين طائرة.

يوم (ي4) 9/10/1973

تابعت القوى الجوية والدفاع الجوي تنفيذ المهمة المسندة في تغطية القوات ودعم أعمالها القتالية، وقامت بإنزال جوي في منطقة واسط وكفر نفاخ، كما نفذت الاستطلاع الجوي، وقد اشتركت القوات الجوية العراقية التي وصلت في يومي 7 و8/10/1973 والمؤلفة من سرب ميغ 21 وسربين سوخوي 7، بأعمال التغطية والدعم. كما وقعت في هذا اليوم أربعة اشتباكات جوية أسقطنا فيها للعدو خمس طائرات وخسرنا ثلاث طائرات في الاشتباكات الجوية وتسع طائرات أسقطتها الوسائط المضادة المعادية، بينما أسقطت وسائط دفاعنا الجوي أربعاً وعشرين طائرة. وهكذا كان مجموع خسارة العدو في هذا اليوم تسعاً وعشرين طائرة.

ـ يبدو أن الخسارات الكبيرة التي تكبدها العدو في سلاح طيرانه، والتي بلغت 136 طائرة على الجبهة السورية في اليوم الرابع من المعركة، قد أفقدت قيادة العدو أعصابها، فأمرت بتوجيه غارة جوية على مدينة دمشق، قوامها ست طائرات فانتوم. نفذت الغارة في الساعة 11.30 وقصفت مساكن المواطنين القريبة من مبنى القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة وكذلك مساكن المواطنين القريبة من مبنى قيادة القوى الجوية. وقد استهدفت إسرائيل من هذا العمل الإجرامي التأثير على الروح المعنوية التي يتمتع بها شعبنا البطل، فأججت بعملها الإجرامي هذا حقد مواطنينا على العدو الصهيوني، كما جعلهم يلتفون أكثر فأكثر حول رئيسنا وقائد مسيرتنا إلى النصر والتحرير. أسقطنا أربع طائرات معادية من أصل ست.

يوم (ي5) 10/10/1973:

تابعت القوى الجوية والدفاع الجوي تنفيذ المهام المسندة إليها، كما قامت بصد عدة ضربات جوية كثيفة على المطارات، ونفذت عمليات إنقاذ وإخلاء للجرحى بوساطة الحوامات. وقد منعت العدو من تحقيق أكثر مهماته، كما اشتبكت قواتنا الجوية بالطائرات الإسرائيلية خمس مرات أسقطنا خلالها ثماني عشرة طائرة معادية كما خسرنا العدد ذاته في الاشتباكات ومهمات الدعم بالإضافة إلى طائرتين عراقيتين.

حاول العدو تحقيق السيطرة الجوية بتوجيه ضرباته إلى المطارات ومراكز الرادار. كما قصف البترول في حمص ومعامل توليد الطاقة الكهربائية. وحاول أيضاً منع الإمدادات القادمة من الاتحاد السوفييتي إلى سورية بقصف الموانئ والمطارات التي كشف نزول الإمدادات فيها (مطار حلب). إلا أنه لم ينجح في تحقيق هذه المهمة، لأن مقاتلاتنا كانت تقوم بمواكبة طائرات النقل السوفييتية وتغطيتها على الفور من وصولها سماء بلادنا. كما أن تصميم شعبنا على دعم قواته المسلحة المقاتلة في الجبهة جعله يقوم بأعمال تفوق الوصف.. وتبلغ مستوى المعجزات، سواء في ترميم الجسور وإصلاح المعابر على طول خط الإمداد من اللاذقية إلى دمشق أو في تفريغ شحنات السلاح من البواخر السوفييتية بسرعة خيالية. وقد أسقطت وسائط دفاعنا الجوي 25 طائرة معادية. وبذلك يبلغ عدد مجموع ما أسقطناه في اليوم الخامس للحرب 43 طائرة إسرائيلية.

يوم (ي6) 11/10/1973

قامت القوى الجوية والدفاع الجوي بتنفيذ المهام المسندة إليها وتمكنت من صد ضربات العدو كفاءة عالية، كما نفذت إنزالات جوية في مزرعة بيت جن وقد حصل اشتباك جوي واحد فقط أسقطنا فيه ثلاث طائرات كما خسرنا طائرتين.

ولقد تابع العدو مهمة قصف المطارات الصديقة لتحقيق السيطرة الجوية كما تابع قصف الأهداف الحيوية (الموانئ، مصفاة البترول، خزانات النفط) ونفذ العدو مهمة دعم قواته التي قامت بخرق دفاعاتنا في القطاع الشمالي من الجبهة.

بلغ عدد طلعات العدو المكتشفة 878 طلعة طائرة، بينما بلغ عدد طلعات العدو على الجبهة المصرية 35 طلعة طائرة فقط، وبدا واضحاً أن العدو يوجه مجهوده الرئيسي إلى الجبهة السورية. وهذا ما اعترف به رسمياً الجنرال موشيه دايان وزير دفاع العدو بعد وقف إطلاق النار.

وقد أسقطت وسائط دفاعنا الجوي 76 طائرة وبذلك يكون عدد الطائرات المسقطة في اليوم السادس 79 طائرة.

يوم (ي7) 12/10/1973:

نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي المهام المسندة إليها وقامت بصد العديد من غارات العدو الكثيفة على المطارات والقوات والأهداف الحيوية. إلا أن المفخرة الحقيقية لسلاح الطيران السوري كانت تكمن بتنفيذ طلعات الدعم لقواتنا البرية التي كانت تقاتل في القطاع الشمالي من الجبهة. فلم تترك القوى الجوية قنبلة نابالم في مستودعاتها إلا وألقتها فوق رأس القوات الإسرائيلية، ولأول مرة ذاق الصهاينة في حياتهم طعم النابالم الذي استخدموه في الحرب العربية الإسرائيلية الثالثة (حزيران 1967) وفي حرب تشرين التحريرية (1973).

كما أننا لم نبخل عليهم بالقنابل الحارقة الأخرى بأنواعها وأشكالها المختلفة، كما استخدمنا الصواريخ جو/أرض، المضادة للدبابات والآليات، بالإضافة إلى القنابل شديدة الانفجار الكلاسيكية.. وأنني لاأنسى قط، قائد اللواء الجوي الشجاع العميد الركن الطيار صبحي حداد الذي كان لواؤه نموذجاً فريداً في الأهبة القتالية.. فلم تطلب القيادة منه دعماً بالنيران إلا وكانت التلبية تتم خلال دقائق وكانت كلمة (جاهز للتنفيذ) هي الوحيدة التي كنا نسمعها منه على الهاتف.. حتى أنه استطاع أن يقدم خلال ساعة واحدة 108 طلعات دعم بلوائه وحده.. أي أن طيار من طياريه قام بطلعتين أو ثلاث طلعا ت دعم في أقل من ساعة. إنها معجزة دونما شك نسجلها بكل اعتزاز لقواتنا الجوية ولأبطال اللواء الجوي 70 ولأسراب البعث في اللواء 70 ولقائد اللواء الفذ الذي ضرب مثلاً رائعاً في الجاهزية القتالية.

لقد دمر سلاحنا الجوي أرتال العدو المتقدمة باتجاه سعسع، بل أكاد أقول سحقها لكثرة ما ألقى فوقها من القنابل المحرقة والصواريخ والقنابل الشديدة الانفجار، وهذا ما زاد في رسوخ قوى قواتنا البرية، المعنوية وعزز صمودها في مواقعها في القطاع الشمالي من الجبهة، ومكنها من تدمير دبابات العدو التي نجت من ضرباتنا الجوية.

وقد بلغ عدد الاشتباكات الجوية ثمانية اشتباكات أسقطنا فيها للعدو أربع طائرات كما بلغت خسائرنا في الاشتباكات بالوسائط المضادة المعادية، 15 طائرة بالإضافة إلى طائرتين عراقيتين. كما أسقطنا للعدو بالوسائط المضادة ثلاثين طائرة وبذلك تبلغ خسارة العدو في اليوم السابع للحرب أربعاً وثلاثين طائرة.

يوم (ي8) 13/10/1973:

تابعت القوى الجوية والدفاع الجوي تنفيذ المهام المسندة إليها وصدت ضربات العدو بنجاح. كما كان الدعم الجوي للقوى البرية فعالاً وأسهم، بالإضافة إلى نيران المدفعية السورية والوسائط المضادة للدبابات والدبابات، في تسمير العدو الإسرائيلي في مكانه وحالت دون حريته في المناورة والحركة وألحقت به خسائر فادحة.

وفي هذا النهار، اشتبكت قواتنا الجوية بطيران العدو مرتين، أسقطنا فيها للعدو أربع عشرة طائرة وخسرنا ثماني عشرة طائرة، منها طائرتان عموديتان.

يوم (ي9) 14/10/1973:

قامت القوى الجوية متعاونة والدفاع الجوي بمهمة صد الضربات الجوية الكثيفة المعادية ومهمة تغطية القوات ودعمها، كما نفذت بعض طلعات الدعم والاستطلاع الجوي واشتبكت مرة واحدة بطيران العدو. وكانت خسائر العدو في هذا اليوم طائرتين وخسارتنا ثلاث طائرات بالإضافة إلى طائرتين عراقيتين أسقطتهما نيران وسائط الدفاع الجوي المعادية.

وقد ركز العدو جهوده الجوية على مطار المزة متوخياً إخراجه من المعركة وشل فعاليته لأطول مدة ممكنة (وذلك لتخفيف ضغط مقاتلاتنا القاذفة على قواته البرية). ولتحقيق هذه الغاية ركز العدو على تدمير المهابط والمنشآت الفنية ومراكز تجمع العاملين في المطار. ولكن شجاعة رجال قاعدة المزة الجوية وصلابتهم، أحبطت مساعي العدو ونواياه الخبيثة، وكان لتضحية الضباط وصف الضباط والجنود والعمال الفنيين أكبر الفضل في إعادة القاعدة إلى العمل من جديد بعد الغارات الجوية المعادية في وقت قصير لم يبلغ ساعة واحدة، في أسوأ الحالات. كما كان للعمال المدنيين الذين وضعهم الرفيق محمود الأيوبي رئيس مجلس الوزراء تحت تصرف المجهود الحربي إبان حرب تشرين التحريرية، دور فعال في مساعدة القواعد الجوية على امتصاص نتائج القصف الجوي المعادي وإعادة المطارات الحربية إلى العمل في زمن قياسي يعتبر مفخرة لجيشنا وشعبنا.

يوم (ي10) 15/10/1973:

قامت القوى الجوية والدفاع الجوي بصد ضربات العدو الجوية كما نفذت مهمة دعم القوات البرية دعماً فعالاً، وكذلك مهمة الاستطلاع بالنظر والتصوير. واشتبكت بالطيران المعادي مرة واحدة وأسقطنا فيها أربع طائرات معادية، وخسرنا أربع طائرات أيضاً. وفي هذا اليوم أوقف العدو محاولاته لتحقيق السيطرة الجوية على السماء السورية لاسيما فوق مسرح الأعمال القتالية، لتكبده خسائر كبيرة دون أن يحقق نتيجة ملموسة. وقد تابع في هذا اليوم أيضاً محاولاته في تدمير المنشآت النفطية على الساحل السوري. إلا أن من يراقب سير الأمور يستنتج استنتاجاً قاطعاً أن جهد العدو الجوي قد تناقص تناقصاً ملحوظاً. وأن سلاح الطيران الإسرائيلي قد أصبح على حد تعبير الرئيس ماوتسي تونغ (نمراً من ورق).

يوم (ي11) 16/10/1973:

نجحت القوى الجوية والدفاع الجوي بصد غارات العدو كما نجحت القوى الجوية في تنفيذ مهمة دعم القوات دعماً جيداً. واشتبكت طائراتنا بالطائرات المعادية ست مرات أسقطنا فيها للعدو ثلاث طائرات كما بلغت خسارتنا تسع طائرات، ثلاثاً منها في الاشتباكات الجوية وستاً بوسائط الدفاع المعادية المضادة للطائرات.

قام العدو بقصف سد الرستن ولكن السد أثبت أنه أقوى من أن يتأثر بقنابل الطائرات.. واستمر تناقص مجهود العدو الجوي تناقصاً ملحوظاً وأخفق نهائياً في تحقيق السيطرة الجوية.

يوم (ي12) 17/10/1973:

قامت القوى الجوية، متعاونة والدفاع الجوي، بصد غارات العدو وتغطية القوات ودعم أعمالها القتالية واشتبكت بطيران العدو ست مرات أسقطنا له فيها ثماني طائرات وخسرنا ست طائرات. كما أسقطت له وسائط دفاعنا الجوي طائرتين، فبلغت خسارته في هذا اليوم عشر طائرات. وقد قصف العدو بعض المنشآت المدنية في اللاذقية كما وجه ضربة جوية إلى مستودعات قارة.

يوم (ي13) 18/10/1973:

نفذت القوى الجوية والدفاع الجوي مهمة تغطية القوات وأغراض المؤخرة ولم تحدث أية اشتباكات جوية كما لم يقم العدو بأي نشاط يذكر.

يوم (14) 19/10/1973:

قامت القوى الجوية والدفاع الجوي بصد غارات العدو كما نفذت مهمة دعم القوات بنجاح واشتبكت بالعدو مرة واحدة، أسقطنا له فيها طائرة واحدة كما خسرنا طائرة واحدة من القوات الجوية العراقية.

يوم (ي15) 20/10/1973:

قامت القوى الجوية والدفاع الجوي بصد غارات العدو كما قصفت القوى الجوية أحد المصانع في حيفا، وقد خسرنا طائرة واحدة من طراز سو 20، سقطت قرب حيفا وهي من التشكيل الذي قام بهذه المهمة. ومن الجدير بالذكر أن طائراتنا تمكنت من الوصول إلى حيفا وطيران العدو عاجز عن اعتراضها وملاقاتها. كما استطاعت أيضاً تفادي نيران الوسائط المضادة للطائرات المعادية. ولم تسقط منها سوى طائرة واحدة بعد أن نفذت مهمتها.

يوم (ي16) 21/10/1973:

قامت القوى الجوية والدفاع الجوي بصد الضربة الجوية عن منشآتنا المدنية والعسكرية في العريضة وتل كلخ كما قامت بدعم القوات البرية بإنزال جوي على جبل الشيخ وقد اشتبكت بالعدو سبع مرات، أسقطنا له فيها عشر طائرات كما أسقط لنا سبع طائرات، كما أسقطت وسائط دفاعنا الجوي طائرتين، فأصبح مجموع ما أسقط للعدو في هذا اليوم اثنتا عشرة طائرة. وهكذا أيضاً اقترن إخفاق العدو بخسائره الكبيرة.

يوم (ي17) 22/10/1973:

قامت القوى الجوية والدفاع الجوي بتغطية القوات والمنشآت المدنية والعسكرية والمطارات وبدعم القوات البرية. وقد ركز العدو جهده الجوي على قصف قطعاتنا في جبل الشيخ للتمهيد لقواته البرية والمنزلة جواً في احتلال المرصد.

اشتبكت قواتنا الجوية بطائرات العدو ست مرات أسقطنا له فيها سبع طائرات كما خسرنا ست طائرات، كما أسقطت وسائط دفاعنا الجوي طائرة واحدة وبذلك تبلغ خسارة العدو في هذا اليوم ثماني طائرات.

يوم (ي18) 23/10/1973:

قامت القوى الجوية والدفاع الجوي بصد الضربة الجوية عن الأهداف المدنية والعسكرية وتغطية المطارات والقوات البرية، واشتبكت قواتنا الجوية أربع مرات بطائرات العدو أسقطنا له خلالها سبع طائرات كما خسرنا ست طائرات. كما أسقطت وسائط دفاعنا الجوي طائرة واحدة. وبذلك تكون خسارة العدو ثماني طائرات في هذا اليوم. وقد ركز العدو مجمل نشاطه الجوي على جبل الشيخ لتأمين الإنزالات ودعم أعمالها القتالية في منطقة جبل الشيخ وهدفه احتلال مناطق المراصد بعد وقف إطلاق النار.

 

وسائط الدفاع الجوي ـ أعمالها القتالية:

خاضت وسائط دفاعنا الجوي في حرب تشرين التحريرية معارك مشرفة وأبدت في اشتباكاتها بطائرات العدو المغيرة، كفاءة نادرة مرغت أنف سلاح الطيران الإسرائيلي في الوحل وجعلت أمهات أكثر من مائة طيار إسرائيلي ثكالى يندبن فقدهن أبناءهن في سماء سورية. ولكي نفي هذه الأعمال القتالية التي حققتها وسائط دفاعنا الجوي حقها رأيت من الأفضل أن نتكلم عن هذا الموضوع وفقاً للترتيب التالي:

أ- ماهية العتاد المتوفر.

ب- نوعية العنصر المقاتل.

ج- المهام القتالية المسندة.

د- طبيعة عمل العدو الجوي.

هـ- سير الأعمال القتالية.

 

أ- ماهية العتاد المتوفر:

لقد كان من الأهمية بمكان تنوع السلاح المضاد للطائرات في القطر وتوزيعه وفقاً لأهمية الأهداف الحيوية المراد تغطيتها، ونستطيع القول أن ذلك هو الأساس في إنجاح العملية الهجومية للقوات المسلحة ككل، وفي تمكين القوات البرية من القيام بأعمالها القتالية بأكبر قدر ممكن من الحرية. ولهذا فقد حوت شبكة الدفاع الجوي في القطر السوري على كتائب صواريخ متنوعة (سام 2، 3، 4، 5، 6، 7) كما حوت كذلك على مدافع من عيار 100مم، و57مم، و37مم، و32مم، 14.5مم، 12.7مم. وقد وزعت هذه الوسائط على الأهداف الهامة والأساسية في عمق البلاد وخصص الجزء الأكبر منها لتغطية تجميع الجيش الرئيسي، وقد برهن تنظيم شبكة الدفاع الجوي على صحته وقدرته على حماية الأهداف خلال سير الأعمال القتالية. كما اتضح أيضاً أن فعالية ألوية الصواريخ بقوامها المختلط بوسائط الدفاع الجوي الأخرى وتركزها تركيزاً نموذجياً، قد حقق شروطاً مثالية للعمل في ظروف عمل العدو الجوي وفي ظل التشويش السلبي والإيجابي.

 

ب- نوعية العنصر المقاتل:

وتبرز في هذا المجال نقطتان أساسيتان:

1- التدريب.

2- القوى المعنوية.

ففي مجال التدريب، ليس سراً أن الجيش العربي السوري لم يزود بالعتاد الصاروخي المضاد للطائرات إلا ابتداءً من عام 1968. كما أن العتاد الحديث المتطور منه لم يصل إلى أيدي الرجال إلا قبل الحرب الرابعة بثلاثة شهور فقط.. ولهذا كان لابد لإدارة الدفاع الجوي من محاولة اختصار الزمن إلى أدنى حد ممكن لكل سلاح وبما يتلاءم واستخدامه القتالي العملي، دون الدخول في التفاصيل النظرية للعتاد. وقد بلغ عدد ساعات التدريب اليومي زهاء 18 ساعة في بعض وحدات الصواريخ المشكلة حديثاً ولكي نتمكن من استيعاب الصاروخ (سام6) بسرعة قياسية، أوفدنا إلى الاتحاد السوفييتي المهندسين وحملة الشهادات الجامعية (رياضيات، فيزياء، كيمياء، طبيعيات) على أساس أنهم مجندون.. وقد فوجئ الأصدقاء السوفييت، بارتفاع مستوى الجندي السوري عندما بدؤوا يعلمونهم مبادئ الرياضيات العالية والكهرباء والميكانيك كتمهيد طبيعي لابد منه لاستيعاب العتاد الصاروخي الحديث. فما كان من جنودنا (وهم كما ذكرت مهندسون وخريجو كلية العلوم)، إلا أن أظهروا فهماً كبيراً لهذه المواضيع الأمر الذي دفع الأصدقاء السوفييت إلى اختصار الدروس النظرية والبدء على الفور بالنواحي العملية.. ولدى مروري في الاتحاد السوفييتي، وأنا في طريقي إلى فيتنام، التقيت بالصديق المخلص مارشال الاتحاد السوفييتي أندريه غريشكو فسألته عن تدريب رجال الصواريخ هناك فأجابني: «إنهم يتدربون بسرعة مدهشة وعلى ما يظهر يا رفيقي اللواء طلاس أنت باعث لي شياطين لا جنود» فقلت له: «والله إنهم جنود سوريون مائة في المائة» فقال لي: «أنا لم أقل إنهم غير سوريين ولكنني قلت إنهم شياطين.. لأنه لايوجد جندي في العالم يستوعب الصاروخ (سام 6) قبل 6 أشهر كأقل مدة.. ورجالك أطلقوا اليوم صواريخ سام 6 على طائرات هدف مسيرة باللاسلكي بعد ثلاثة أشهر تدريب فقط وكانت النتيجة جيدة (العلامات 70% فماذا نقول عن ذلك؟.. ـ وقال مداعباً ـ لا، إنهم شياطين ولكنك أنت تخفي عني حقيقتهم».

وإذا نسيت شيئاً فلايمكن أن أنسى مطلقاً الجهود المضنية والكبيرة التي بذلتها هيئات القيادة العامة وإداراتها وشعبها وفروعها كذلك القيادة الجوية والدفاع الجوي في تأمين الملاكات (الكوادر) والأطقم الفنية لألوية الصواريخ، حتى أن رئيس الأركان اللواء يوسف شكور قضى الساعات الطويلة وهو يتابع الأوامر الصادرة عن القيادة لتأمين العناصر اللازمة لألوية الصواريخ..وكان مثلنا في القيادة مثل الرجل الذي يسمح للطبيب أن يأخذ جزءاً من جلده ليطعّم به جزءاً آخر هو أشد حاجة إليه.. ولايمكن أن يدرك هذا الموضوع إلا من عاناه شخصياً.. وقد عانيته يومياً.. ففي كل يوم كنت أسمع احتجاجات قادة الوحدات والتشكيلات البرية على نقل عناصر فنية لديهم إلى وحدات الصواريخ وتشكيهم من ذلك.. وكنت أجيبهم.. عليكم أن تتحملوا ذلك حتى لاتشاهدوا طائرة عدوة في أجوائنا تسرح وتمرح بدون عقاب.

أما تأثير القوى المعنوية، وهذا عامل حيوي جداً بالنسبة لأنواع القوى كافة، لاسيما الدفاع الجوي، فقد كان أخشى ما نخشاه عدم ثقة العناصر بعتادهم القتالي، بالنظر لقصر فترة التدريب، ولكن شعورهم جميعاً بحتمية المعركة والجهود الكبيرة التي بذلتها القيادة العامة وقيادة القوى الجوية والدفاع الجوي لأجل أن تقف وحدات الدفاع الجوي على أقدامها، كل ذلك خلق مناخاً جيداً من الحماسة ضاعف العمل والاندفاع إلى استيعاب كل ما يتعلق بالعتاد برغبة صادقة. كما أن الثقة بالسلاح منذ اليوم الأول للمعركة وضعت قوى رجال الدفاع الجوي المعنوية في أعلى المستويات، مما عوض كثيراً عن نقص التدريب. ورسخت القناعة في نفوسهم جميعاً بأن الإنسان هو العامل الأول والأعظم شأناً في المعركة.. ولم نسمع قط عن تقصير أي فرد من وحدات الدفاع الجوي في القيام بواجبه القتالي.

 

ج- المهام القتالية المسندة:

أسندت لوسائط الدفاع الجوي المهام التالية:

1- تغطية التجميع الرئيسي للجيش في العملية الهجومية.

2- تغطية المطارات الرئيسية في القطر.

3- تغطية بعض الأهداف الحيوية في القطر.

4- مكافحة الإنزالات البحرية والجوية في حدود المناطق المتمركزة فيها القطعات.

5- منع طيران العدو الجوي من القيام باستطلاعاته.

 

د- طبيعة عمل العدو الجوي:

لقد سبق وتكلمنا في الفقرة الأولى من هذا الفصل عن القوات الجوية الإسرائيلية وطبيعة استخدامها. ولكن للحقيقة والتاريخ، أقول إن إسرائيل كانت تملك قبل حرب تشرين نخبة من الطيارين الممتازين والأكفاء. وأعتقد أن الأسلوب الذي استخدمه الطيارون الإسرائيليون في الأيام الأولى من حرب تشرين التحريرية لايمكن أن يفوق أسلوب آخر.. ولكن الذي فوت الفرصة عليهم هو في الحقيقة، كثافة الصواريخ وتنوع العيارات الأخرى وتشابكها والمناورة بها في الوقت المناسب هو الذي أفقد العدو صوابه وفوت عليه فرص النجاح كما كان يتصور.

 

هـ- سير الأعمال القتالية:

وجه الطيران المعادي في اليوم الأول للحرب الرابعة ضرباته ضد القوات المتقدمة على جبهة الجولان وقام بتغطية أغراضه في مؤخرة البلاد والمطارات، ولكن المفاجأة التي حققتها قواعد الصواريخ المتقدمة مع القوات عكست مخططات العدو وحساباته وقلبتها رأساً على عقب إذ دمر له في اليوم الثاني من المعركة أربع وأربعون طائرة، وفي اليوم الثالث ثلاث وعشرون طائرة، وفي اليوم الرابع أربع وعشرون طائرة، وفي اليوم الخامس خمس وعشرون طائرة. وكان كل ذلك بوسائط الدفاع الجوي. وقد حاول العدو في أيام الحرب الأولى، قصف القوات المتقدمة، وفي آن واحد قصف المطارات الرئيسية ومهاجمة مرابض الصواريخ والمدفعية م/ط ومحطات الرادار متوخياً شل القوات الجوية أو إعاقتها وتعطيلها، وتدير وسائط الدفاع الجوي ليتيح لسلاح طيرانه تحقيق السيطرة والتفوق الجوي، ولكن طائرات العدو كانت دائماً تصطدم بحاجز من لهب فتهوى كالفراش عندما يلامس حرارة الضوء. غير أن الكارثة الحقيقية التي مني بها الطيران الإسرائيلي كانت في يوم 11/10/1973، حينما حاول سلاح الطيران الإسرائيلي أن يركز كل جهده على الجبهة السورية ليخرج طيرانه من المعركة. غير أن صواريخنا كانت بالمرصاد فهشمت سلاح الجو الإسرائيلي ووجهت إليه ضربة قاضية، على طريقة بطل العالم في الملاكمة «محمد علي كلاي». وقد عبر عن هذا الموقف أجمل تعبير مراسل جريدة لوموند «Le Monde» الفرنسية في بيروت في 11/10/1973، إذ قال: «إن الطائرات الإسرائيلية تصطدم (بحاجز اللهب) عندما تحاول مهاجمة القوات العربية في الجبهة الشمالية التي تتمتع بأقوى أجهزة الدفاع والقتال الجوي وأحدثها، وإن كل ثماني طائرات إسرائيلية تحاول اختراق هذا الحاجز يعني التضحية بسبع منها وهذا ما كبد الإسرائيليين أفدح الخسائر بل إنهم واجهوا في كثير من الأيام كوارث حقيقية وفي إحداها صحوا بإحدى وتسعين طائرة خلال 10 ساعات فقط» انتهى كلام المراسل الصحفي لجريدة لوموند في بيروت.

حقاً إنها مأثرة لايمكن أن تنسى لإدارة الدفاع الجوي التي يقودها العميد الركن علي الصالح ولضباط وصف ضباط وأفراد وحدات الدفاع الجوي الأبطال، جميعاً.

ومن الأمور البارزة حقاً في حرب تشرين التحريرية أن ست كتائب صواريخ من مختلف الأنواع استطاعت كل منها أن تسقط أكثر من خمس عشرة طائرة معادية طيلة أيام الحرب، واستطاع بعضها إسقاط تسع عشرة طائرة معادية، ولم يكن نصيب أية كتيبة صواريخ لدينا أقل من 5 طائرات معادية، ومنها الكتائب التي تعطلت أثناء المعركة بفعل القصف المعادي.

لم يحن الوقت بعد لنقول كل ما نعرفه عن (المقالب) والأفخاخ التي نصبناها لسلاح الطيران الإسرائيلي.. وعن الإجراءات والترتيبات التي نفذت كذلك، والتي قلبت خطط القيادة الإسرائيلية رأساً على عقب وجعلت السلاح الطويل الذراع في يدها عبارة عن حسام بترت ثلاثة أرباعه، ولم يبق بيد القيادة الإسرائيلية سوى قبضة السيف المثلم المكسور. ولكن سأروي حادثة واحدة فقط جرت في الأيام الأولى من الحرب.

في منتصف ليل اليوم الأول من المعركة، جاءني العقيد الركن جلال جهني رئيس فرع الصواريخ في إدارة الدفاع الجوي وسألني:

سيدي اللواء متى ستزج فرقة الدبابات الأولى في الموقعة؟..

فأجبته: سأعلمك في الوقت المناسب..

وبعد ما يقارب ساعة، جاء هذا الضابط ليكرر السؤال ذاته، ليسمع مني الجواب ذاته.. وفي الساعة الثانية من صباح 7/10/1973، ألح علي العقيد جلال جهني في السؤال وكان بريق الحنان والمحبة الأخوية يشع من عينيه فقد كان يريد أن يعلم قبل الأوان عن ساعة الزج، ليتاح له الوقت اللازم لتغطية الفرقة الأولى دبابات التي يقودها شقيقه العقيد الركن توفيق جهني.. لم أستطع أن أقاوم رغبة هذا الضابط الشجاع الذي يشده أكثر من سبب لتغطية الفرقة المدرعة الأولى بالصواريخ (سام 6) فأجبته: إنه من المحتمل أن تزج في يوم 7/10/1973 ولكن هذا غير مؤكد لأنه تابع للموقف العسكري على الجبهة السورية..

قال لي: شكراً سيدي اللواء.. واختفى بلمح البصر من قاعة العمليات.. قام هذا الضابط بتقديم تقرير شفهي للواء ناجي جميل قائد القوى الجوية والدفاع الجوي والعميد الركن علي الصالح مدير إدارة الدفاع الجوي عن وضع الدفاع الجوي في منطقة الجبهة واقتراح إجراء مناورة بالصواريخ، يتم فيها تحريك ثلاثة كتائب صواريخ (سام 6) إلى قرب خط وقف إطلاق النار ووضعها في القطاع الذي ستزج منه الفرقة المدرعة الأولى.. وإذ كان هذا الإجراء هو أحد بنود قرارات قائد القوى الجوية والدفاع الجوي الذي نوقش في مجلس الدفاع العسكري وتمت المصادقة عليه، فقد وافق قائد القوى الجوية ومدير إدارة الدفاع الجوي على هذا الاقتراح وكلف العقيد الركن جلال جهني بالإشراف على التنفيذ.

وفي صباح اليوم الثاني من المعركة، كان تمركز كتائب الصواريخ التي تغطي التجميع العملياتي للجيش العربي السوري مخالفاً لكل الصور التي التقطها الطيران الإسرائيلي في أثناء عمليات الاستطلاع التي تمت في اليوم الأول من الحرب، كما كان مختلفاً أيضاً عن الصور التي التقطتها أقمار التجسس الأمريكي والتي أعطيت صور منها للمخابرات العسكرية الإسرائيلية.. ذلك أننا غيرنا في تراتيب تمركز معظم السرايا والكتائب والألوية. وهكذا فوجئ العدو بشبكة الدفاع الجوي التي تغطي الجزء الجنوبي من سورية مفاجأة تامة وذلك للأسباب التالية:

1- لم يكن العدو يعرف عدد كتائب الصواريخ التي تملكها سورية معرفة صحيحة. وكان يظن في جميع الأحوال أن منظومة الدفاع الجوي في سورية هي دون المستوى الذي وصلت إليه مصر.

2- كان تقدير العدو وهو تقدير صحيح، إنما نحن الذين خالفنا القواعد الكلاسيكية المتبعة ـ إننا سنقوم بتوزيع كل ما نملك من عتاد صاروخي على الأهداف الإستراتيجية الهامة سواء الموجودة في الجبهة أو في عمق البلاد وعلى هذا الأساس سيكون نصيب الجبهة السورية، أو جنوبي دمشق على وجه التحديد، بسيطاً ومن الممكن تدميره وبذلك يستطيع الطيران الإسرائيلي أن يسرح ويمرح فوق الجبهة السورية. ولكننا كما ذكرت خالفنا القواعد المعروفة.. وجازفنا بعدم تغطية كل الأهداف الهامة لنقوم بتغطية حقيقية ومضمونة للتجميع العملياتي للجيش العربي السوري.

3- وضعنا صواريخ خشبية في جميع الأماكن التي اكتشفها العدو وصورها، ونقلنا الصواريخ الحقيقية إلى مرابض تبادلية.

هذه هي أهم الإجراءات التي أمنت خداع العدو. وهناك إجراءات كثيرة غيرها لم يحن أوان الكشف عنها.

لم تتردد القيادة العامة الإسرائيلية كثيراً في اختيار الجبهة التي ينبغي أن تفرغ منها، فقد كان هناك شبه إجماع على أن الجبهة السورية هي الجبهة الأكثر خطراً على أمن إسرائيل لقربها من سهل الحولة ومرتفعات الجليل.. ولذلك فقد أعطيت الأوامر للسرب رقم 202 فانتوم أن يكون رأس الحربة لتدمير الطيران السوري ووسائط الدفاع الجوي الصاروخية على وجه التحديد.. وكان هذا السرب هو الذي روع الطيران العربي قبل حرب تشرين التحريرية كما قلنا..

كنا، في القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، نعتقد أن إسرائيل ستوجه معظم طيرانها إلى الجبهة السورية، وعندما تفرغ منها تنقل مجهودها باتجاه الجبهة المصرية.. ولذلك أعطيت التعليمات إلى قيادة القوى الجوية أن تتفادى الاشتباك بالطيران المعادي ما أمكن ذلك، وأن تترك الحرية للصواريخ لكي تحطم زخم الموجات الجوية الأولى وتدمير النخبة من طياري إسرائيل.

ووقع الطيارون الإسرائيليون في الفخ المنصوب وتوالى سقوط عشرات الطائرات الإسرائيلية، تصطادها الصواريخ بصورة لاتكاد تصدق.. وعلى سبيل المثال أذكر أن أحد قادة ألوية الصواريخ العاملة في الجبهة، أعلم غرفة العمليات الجوية أن ست عشرة طائرة معادية من طراز فانتوم تقوم بغاراتها عليه، فأعطيت الأوامر له وللجوار بعدم الاهتمام بالطائرات المنفردة والتركيز على المجموعة مع مراقبة الجو من كل الاتجاهات. وتم تركيز تسع كتائب صواريخ على هذه المجموعة في آن واحد وتم إسقاط تسع طائرات دفعة واحدة.

ولكن بعد برهة تقارب 3 دقائق.. اتصل قائد اللواء السابق نفسه بغرفة العمليات الجوية (في يوم 11/10/1973) وأعلمها عن إنزال جوي معاد في منطقته بوساطة المظلات.. ألقينا نظرة على خريطة العمل، فوجدنا أن من المحال قيام العدو بإجراء إنزال في المكان المذكور لأنه ضمن ترتيب الفرقة المدرعة الأولى ولايمكن للعدو أن يرتكب مثل هذه الغلطة المفجعة له.. لذلك اتصلنا بقائد لواء الصواريخ أيضاً وطلبنا إليه أن يدقق المعلومات التي أرسلها.. وما هي إلا ثوان حتى أجابنا أنه يأسف للمعلومات الخاطئة التي أرسلها سابقاً، وأن في منطقته 18 طياراً وملاحاً إسرائيلياً يهبطون في المظلات، وأنه يتخذ التدابير اللازمة لإلقاء القبض عليهم..

لقد شاهد مئات آلاف المواطنين في دمشق، بأم أعينهم تساقط الطائرات الإسرائيلية بوساطة الصواريخ السورية في اليوم السابع من المعركة والأيام التي تلته. كما أن رجال السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي يشهدون بذلك ويروون المعجزات مما شاهدوه في ذلك اليوم المجيد. كما أن إخواتنا في لبنان والأردن شاهدوا كذلك كيف كانت الطائرات الإسرائيلية تتوجه عبر أجوائهم إلى سورية ولاتعود.. أو تعود وقد فقدت عدداً من طائراتها.

 

بطولات عقبان الجو

ماذا أقول عن هؤلاء الرجال وهل أستطيع أن أفيهم حقهم؟.. لقد اجترحوا أكثر من معجزة وحققوا أكثر من بطولة.. وقدموا أكثر من تضحية.. إنهم عقبان سلاح الطيران السوري وعمالقة الجو الأشاوس.. إنهم أكبر من الكلمة على جلالها وعظمتها.. إنهم أكبر من الزمن الذي تجاوزوه.. إنهم أبناء دمشق الخالدة.

قبل أن أبدأ بسرد بعض التفاصيل عن بطولات هؤلاء الرجال، لابد من التنويه بأن الأعمال البطولية التي قام بها أبطال القوى الجوية، ما كان لها أن تتحقق لولا تضافر كل جندي وضابط صف وضابط في القوى الجوية والدفاع الجوي من أجل تنفيذ المهمة، ولولا الدعم الكامل الذي قدمته القيادة العامة، (حسب الإمكانات المتوافرة)، للقوى الجوية والدفاع الجوي ولاسيما للطيارين، وأخيراً رعاية قائدنا البطل الفريق حافظ الأسد للنسور ولعائلاتهم ولأقربائهم رعاية أبوية تجعل الطيار واثقاً من غده، مطمئناً لمستقبل أطفاله وأسرته. لقد كانوا يستقبلون الطائرات المعادية بقلوب لاتعرف الخوف ولا الوجل فحياتهم فداء لهذه الأمة المناضلة وأولادهم وأهلهم في رعاية رجل هو من أكرم وأنبل وأوفى من عرف التاريخ العربي من الرجال.

مرة ثانية ماذا أكتب عنهم وأنا أكاد أعرفهم جميعاً بأسمائهم وأشعر بمحبة حقيقية تربطني بهم. فأنا بدأت حياتي العسكرية طياراً والطيران هوايتي من أيام الصبا، ومايزال ـ وأنا أخيراً مواطن من هذه الأمة التي تعشق البطل الجواد.. وتزدري بالجبان البخيل.. فكيف السبيل إلى كبت العاطفة وسكوت القلب عند الحديث عنهم؟..

غير أن الكتابة عن بطولات النسور تحتاج إلى مؤلف مستقل بذاته، فليعذرني رفاق السلاح إذا قصرت كتابتي الآن.. على الطيارين الذين حققوا أكثر من خمسة انتصارات جوية وحازوا على وسام بطل الجمهورية.

ولقد آثرت أن تكون كتابتي عنهم مستوحاة، قدر الإمكان من المذكرات الشخصية التي كتبوها بأقلامهم وأفكارهم حتى أثبت للناس كافة أن الطيارين، عندما يغادرون الأرض، لايتركون عقولهم وإنما يحملونها معهم.. ولذلك عندما نقرأ ما يكتبون نلمس في كتاباتهم نبرة الصدق وإشراق الخيال ولهب العاطفة.. وحرارة الإيمان.. وبساطة الديباجة وليعذرني الشاعر نزار قباني والقراء إذا لم أستطع التعبير في هذا المجال كما يعبر هو شخصياً سواء بالنثر أو بالشعر.

فلنعش إذن لحظات أخرى وهؤلاء الأبطال، بملء جوارحنا وكل عقولنا وقلوبنا.

ها هو الرائد الطيار مجيد الزغبي. يجلس للكتابة، والصورة في ذهنه، صورة المعركة وما قبل المعركة، واضحة ناصعة، لا سبيل إلى ما يعكر صفاءها:

إنه يتأمل ويحلم، فتشده الذكرى إلى سنوات خلت، عاشها ورفاقه في سرب بناء، كخلية نحل دؤوب أو كعش من الدبابير ـ كما يقول ـ اختلفت قسماتها وتآلفت قلوبها وأرواحها... يتداولون المحاضرات والآراء، ويدرسون ويعملون ليطبقوا ما درسوه في أعالي السماء وفوق الذرى الشماء، وإذا أتيح لهم فراغ، قضوه في لعب الورق وأحاديث الشباب...

ثم ها هو مجيد في جو آخر وحياة أخصب وأحفل لاتمر به الساعات وهي طويلة، شأنها في بعض مراحل عرفها: إنه ورفاقه في حالة الطوارئ، من عمل إلى عمل، وجهد إلى جهد، فلا سبيل إلى التأملات والأحلام يرخى لها العنان... تأتيهم الأنباء عن أعمال العدو وعن استفزازه وتحديه، فيزدادون اضطراباً وغلياناً، وقد ضاقوا ذرعاً، وأصبحوا كالخيل قد لجمت وربطت، فهي تقرع بسنابكها طالبة الانطلاق والطراد.

وتدق فجأة ساعة الفرج... هاهي التعليمات والأوامر... إنها المعركة، فيا فرسان السماء، طيروا... ويتساءل مجيد ـ ذاكراً وصية من الشاعر ناظم حكمت إلى ابنه: «لاتكن في هذه الدنيا كمن أتاها ليصطاف ثم يرحل، بل عش حياتك في وطنك، يا بني كأنه بيت أبيك» ـ يتساءل هل أعيش في وطني وأحافظ عليه كبيت أبي؟...

يذكر ذلك محلقاً في سماء دمشق، فيشعر أنه جزء منها، من العامل تحت المداخن ووراء بيوت النار، ومن الأم تعطي الحليب لابنها... ومن.. ومن.. ويذكر أمه تسوق عنزاتهم إلى الراعين حاملة له الطعام.. ويجيب مجيد نفسه: أنا لاأعيش في وطني مصطافاًَ عابراً، إنما كعيشي في بيت أبي.

في ليل السادس من تشرين تنتاب مجيداً هواجس شتى: مبلغ من المال بسيط عليه أن يبعث به لأبيه.. «معاملة» لأبناء أخيه الشهيد... وفجأة تدب في المطار حركة غير عادية، وفي الساعة الرابعة، وقبل بزوغ الفجر، كانت الطائرات في أهبتها التامة، (في ملاجئها). وينظر إليها مجيد قرير العين، إذ يراها كالعقارب العنيدة تقتحم الصخور الصماء لتلدغها.. لكنه لم يؤمر بالعودة إلى قيادة السرب، فيتجهم، ثم يأتي الأمر أيضاً بالذهاب إلى الطعام.. فيزداد تجهماً.. ماذا!؟.. هل انتهى كل شيء.. والمعركة معه؟.... ويعاف مجيد ورفاقه الطعام... فلا طعم له بلا معركة. ثم ينتبذ مكاناً من المطار قصياً، فيلوح له غراب يسمع نعيقه فيذكر الموت لأول مرة ويراه بصورة وحش يدب، إنما دبيبه أسرع وأسهل على الضعفاء الجبناء... فلا نامت أعين الجبناء.

الموت.. وسبيله إلى مجيد، إما وهو قابع في خندقه بقنبلة معادية، وإما وهو محلق كالنسر في الفضاء، ولاتطول به الأبعاد كما تطول بذي الجناح القصير، ومن البديهي أن يختار مجيد الثانية، دونما شك، متصوراً نفسه على صهوة طائرته التي لم تخذله في معركة. ويرى نفسه بخياله يقود رفه مفتشاً عن صيد في أعالي السماء، زارعاً الرعب في قلوب الأعداء.. وينتهي مجيد من التفكير في الموت والحياة قائلاً: مادام دافع الحياة أقوى وأعمق، فعلي السيطرة على كل خبرتي وإمكاناتي العلمية، وإخضاعها خضوعاً صارماً للسلوك القمين بدفع غائلة الموت!!..

ويرن جرس الإنذار، منبئاً مجيداً أن عليه التأهب للإقلاع الفوري على رأس مجموعته،.. وما هي إلا ثوان حتى يتلاشى كل شيء من رأسه ليحل محل حماسة الخيل الملجومة، رباطة الجأش والانضباط التام، والعلم والأجهزة الالكترونية: إنه الواجب.. وإنها المعركة: لقد صدر الأمر أخيراً وهاهو مجيد على رأس مجموعته ينفذ مهمته مع تشكيله، جزءاً من مظلات جوية على ارتفاع كبير، تحمي القاذفات التي تصب حممها على مواقع العدو الأمامية: في جبل الشيخ، تل أبو الندى، تل الفرس، وبعض الوحدات البرية المعادية...

كانت طلعات ثلاث لمجيد وضباط تشكيله، تعود المجموعة منها سالمة.. وكان اليوم الأول وكان بدهياً أن يراه ورفاقه أجمل يوم في تاريخ القوات الجوية السورية. قضوا في الليل أوقاتاً سعيدة ملتفين حول لوحة التعليمات يسمع مجيد في أثنائها، وهو الذي لايفوته شيء، من رفاقه الأصغر سناً الذين تعب في تدريبهم ملاحظات لم يكن يدور في خلده أن تكون بهذا الشمول والعمق وبهذه الروح من المسؤولية العميقة، وهم مايزالون في أول سني الشباب..

ونرى مجيداً، في اليوم الثاني، قابعاً في طائرته والشمس في كبد السماء. إنها الساعة الواحدة بعد الظهر، وتشكيله المؤلف من 6 طائرات، متأهب مثله. صدر نداء الإقلاع وانطلقت الطائرات الست، سهماً واحداً تفرع إلى ستة سهم. وماهي إلا ثوان أيضاً حتى أتتهم التعليمات وهم في الجو (المهمة، صيد حر). واتجه السهم السداسي بسرعة تتجاوز الألف ك/س، باحثاً عن الطرائد... وماهي إلا ثوان أيضاً، حتى أهاب صوت التعليمات» اشتباك فوق القنيطرة.. إليه على الفور. فيصدر مجيد أمره بقذف خزانات الوقود.. وما يكاد يفعل، متجهاً ومجموعته إلى سماء الاشتباك، حتى يسمع مشكله رقم 3 يلعلع صوته كالبرق الخاطف: دوران قاس إلى اليسار.. صواريخ منطلقة إليك. وينفذ مجيد الدوران غريزياً، غير متمكن من رؤية مصدر الرمي. وتتابع مجموعته طيرانها إلى سماء القنيطرة.. ولكن هاهي القنيطرة.. سماؤها صافية.. مجيد يبلغ العمليات بذلك متابعاً التفتيش على ارتفاع 3كم.. وفجأة.. هاهي طائرة معادية باتجاهه من اليسار.. إنها تهاجمه. وإنه ليكسر هجومها بهجوم معاكس، وترتد أمام حدة هجومه، ويتبعها مجيد إلى أرضه الحبيبة المحتلة.. إنه خلفها، قاتلاً أو مقتولاً، وإنه ليسمع صاروخه يغلي كالمرجل، ويهمر كالوحش الكاسر.. فيطلقه، وماهي إلا لحظات حتى أبصرها تهوي أمامه متفجرة، ويأتيه صوت مشكله رقم 4، طائرته أصيبت وهي تحترق ويأمره رئيسه مجيد بمغادرتها.. إلا أن مشكله رقم 2، ينسحب معه من الأرض بتشكيل الحماية. ولكن وقوده كان قد أشرف على النفاد عندما أبصر طائرة عدوة تهاجم مشكله رقم 2، فيأمر مجيد بالمناورة لتفاديها. ويعود صوت المشكل رقم 4: طائرته ماتزال تحترق، فيكرر مجيد أمره إليه بالقذف، ثلاث مرات، ويهبط في مطار ومشكله رقم 2 في مطار آخر. ويهرول مجيد إلى طائرته يتفحصها، فإذا هي مصابة بعدة طلقات من المدفعية الأرضية، فيستبدلها مسرعاً في العودة إلى قاعدته الأساسية ليرى تشكيله كاملاً باستثناء رقم 4. وكانت عزائم النسور القعساء تبدو على وجوههم التي زادتها الثقة والاعتزاز صلابة وعناداً.

ينام مجيد الليلة الثانية من المعركة، فيحلم ـ ويا للإنسانية، الرائعة حتى في المنام ـ يحلم أنه يقدم «سيجارة» لطيار أسير.

في اليوم الثالث، ما يكاد مجيد يعود ومجموعته سالمين، بعد الإقلاع الثاني لمهمات التغطية، حتى يبصر على ارتفاع كبير عدداً من الفانتوم في مظلة مدمرة فوق المطار، ويرى قنابلها تتساقط، فيأمر الطيارين بالإسراع إلى الملاجئ، وقبل أن يخرج من طائرته يبصر زوجاً من الميغ 21 يدخل في مظلة العدو، فتهوي أولى الفانتوم، ثم تسقط وسائط الدفاع الجوي فانتوم ثانية.. وإذا الطائرات (العملاقة) الباقية تؤثر النجاة لائذة بالفرار.. ولكن هل وصلت سالمة؟ّ!.. ويرى مجيد على أرض المطار نوعاً من القنابل المحرمة دولياً بعضها يشبه الرمانات اليدوية (بحجم الطابة) التي ما إن تبلغ الأرض حتى تتحول إلى مئات الكرات المتدحرجة، لتصل إلى الخنادق.. وغيرها من القنابل المحرقة كالنابالم.. والموقوتة التي كانت تتوالى انفجاراتها حتى بعد هروب الطائرات.. لقد فوجئنا.. وكان تأثير المفاجأة عليه قوياً وسيئاً: وقال في نفسه وهو يطمئن عناصره: ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا.. أو يموتون على الأرض!؟ ويعن في خاطره درس تلقاه في التعليم الإعدادي: قصة نسر جريح ألجأه جرحه وضعفه إلى السفح، فتجرأت عليه الغربان وبغاث الطير، فهاله الأمر وكبرت عليه الإهانة.. فانتفض في جهد أخير مع حشرجة الموت وانطلق إلى كبد السماء ليهوي جثة هامدة على الذرى الشماء.

وعلى الرغم من الانفجارات والحفر أقلع مجيد وتشكيله فردياً لتنفيذ المهمة وعاودوا ليجدوا المطار في حالة طبيعية وكأن شيئاً لم يكن.. وتتابعت المهمات ولم تعترضها اشتباكات. وفي المساء كانت تنتظر مجيداً ورفاقه مفاجأة سارة: إنهم الإخوة الطيارون العراقيون، وكانت الفرحة بهم، كما يقول، أقوى من الوصف. وأتى اليوم الرابع فترك في نفس مجيد وقلبه أثراً لن يمحى: لقد قصفت الطائرات الإسرائيلية دمشق. إنما يعزيه ما سمعه عن لسان الرئيس، معلمه الأول في الطيران: «لن نرضى أن تكون ستالينغراد وهانوي أقوى من دمشق على الصمود حتى لو مسحت معالمها وغدت أثراً بعد عين».

اليوم الخامس: يشعر مجيد أنه لن يكون يوماً عادياً من أيام هذه الحرب الضروس. إنه يقلع بتشكيله (4 طائرات)، في هذه المرة، إلى مطار خلخلة، منفذاً الأمر، وما هي إلا ثوان حتى كانت طائراته (الميغ 21) الأربع تحدق بها ثمان من الفانتوم، وانتهى الاشتباك بإسقاط ست منها، كان نصيب مجيد اثنتين منها، ولم يصب من التشكيل سوى الرقم 4.

ولم يكن اليوم السادس دون الخامس جمالاً وإقبالاً. المعركة فوق جبال لبنان. كانت تنتظر مجيداً ورفاقه الثلاثة هذه المرة اثنتا عشرة طائرة، فانتوم. اقتحمت السوريات الأربع الإسرائيليات الاثنتي عشرة، وفي معركة لا سبيل إلى وصفها، دامت زهاء ربع ساعة، أسقطت أربع فانتوم ولم يفقد من تشكيل مجيد سوى الرقم 4 أيضاً.

وبعد بزوغ فجر اليوم السابع أقلع مجيد، يرافقه الملازم غنوم فقط، وفي الفضاء تلقيا الأمر بالاتجاه نحو أهداف معادية متسللة، كانت ست طائرات فانتوم، استطاع مجيد ورفيقه إسقاط اثنتين منها، واضطرا بعدها للهبوط على مدرج ترابي لأن وقودهما قد نفد، وفي اليوم الثامن (13 تشرين) قام مجيد وتشكيله بعدة طلعات ولم يقعوا على طائرات معادية. ولكن اليوم التاسع والأيام التي تلته حفلت بأجمل المعارك وأخصبها. هكذا رآها مجيد وإن لم يقدر له فيها أي اشتباك هام. وكأن القدر يرجئ له تحقيق أجمل أمانيه.

وحل اليوم السادس عشر من المعركة (21 تشرين الأول)، وتلقى مجيد الأمر بالإقلاع بعد السادسة صباحاً بدقائق، وبعد ثوان كان متجهاً إلى الغرب، ثم إلى جبل الشيخ وقد انتظمت طائراته الأربع في أماكنها الصحيحة وكلها ترصد ويقظة وتحفز، وماهي إلا دقائق حتى أحسوا جميعاً بطائرات العدو تهاجمهم من الخلف، ورأوها، فيصدر مجيد الأمر بالدوران القاسي وبكسر الهجوم على الفور، وذلك بينما كانت الصواريخ المعادية تنطلق إلى تشكيله، فكان لكل منهم أكثر من طائرة فانتوم، وبعد ثوان انهالت عليه النداءات: لقد أصابوا أهدافهم وتهاوت طائرات الفانتوم على الأرض وألسنة لهيبها تتراقص أمام أعينهم. واختار مجيد قائد تشكيل العدو وهاجمه، فتقاصا حلزونياً، على ارتفاع من 300م حتى 7كم. وطائرة مجيد محملة وعداد السرعة يشير إلى الرقم صفر، وهو يعلم أن الفانتوم ستعجز عن مباراته في الارتفاع، لحمولتها الكبيرة وأن عليه أن يتخذ الوضع الملائم للرمي، وهذا ما فعله، وإن عليه أيضاً أن يمتحن نفسه ويعجم عوده مرة أخرى: لقد أصبحت الفانتوم القائدة في حقل رمي مدفعه الرشاش، ولكن الإطلاق والطائرة في سرعة صفر، سيسبب انطفاء المحرك، إذن فسلامته محققة إذا لم يطلق، أما إذا أطلق...!؟..

واختار البطل في ثوان، إذ لا سبيل إلى التردد أكثر من ثوان معدودة، اختار البطل الموت: ولعلع مدفعه الرشاش بل زمجر، وإذا الفانتوم «الجبارة» قسمان مشتعلان على الأرض. وانطفأ محرك مجيد على الفور. وكان يستطيع مغادرة الطائرة، لكنه لم يفعل بل راح يحاول بعث الحياة في المحرك، وبدأت طائرته الهبوط كتلة من الحديد البارد، وأنقذه الملازم الأول علاء الدين عابدين من طائرة فانتوم رأت فيه فريسة سهلة فهاجمته، لكن مشكلة المذكور كان أسبق إليها منها إلى مجيد، فأسقطها وأنقذه وأنقذ الطائرة من الموت، إنما لم تمض ثوان حتى انطلقت نحوه فانتوم أخرى، وفي هذه المرة أدرك مجيد ببصيرته النافذة ورباطة جأشه النادرة، أن لا سبيل إلى العون فكل رفاقه يشتبكون.. وراحت الفانتوم ترميه برشاشها ذي السباطانات الست، وأصابت جناح طائرته الأيسر، وأثناء ذلك، وبينما كان مجيد يتلقى الأمر تلو الأمر بمغادرة الطائرة، ويحاول المحال كيلا يصطدم بالأرض ويتفادى رمي الفانتوم في آن واحد، اكتمل دوران محركه، وكان صاحب الفانتوم قد انحرف عنه مقدراً أن لابد من سقوطه لأن طائرته مشتعلة. لم تفارق مجيد رباطة جأشه وقوة أعصابه، واغتنم الفرصة، فاستقام خلف الفانتوم، وماهي إلا ثوان حتى اخترقتها طلقات مدفعه، ورأى مجيد ملاحها يغادرها في كرسيه المقذوف. لقد تدمرت الفانتوم... ويا لذهول من في غرفة العمليات وإعجابهم... وأنقذ مجيد نفسه بعد أن تفادى سقوط طائرته فوق قرية المعضمية منقذاً سكانها أيضاً ومغادراً طائرته وهي تشتعل على ارتفاع لايتجاوز المئة متر.

لقد أسقط تشكيله إحدى وعشرين طائرة. كانت حصته ثماني منها.

ولننتقل الآن إلى «بطل الجمهورية» الثاني الرائد الطيار أديب الجرف:

أول ما يلفت النظر في أديب، عندما نقرأ «يومياته» عن المعركة، إيمانه العميق ثم الطموح الكبير الشريف الذي تجيش به نفسه...

اندلعت نار الحرب، كما يقول أديب، وليس من يعرف مصيره وقدره فيها. العدو قوي ومعه إمكانات الولايات المتحدة وثقلها، وقد دفعته انتصاراته السابقة السهلة إلى أبعد حدود الغطرسة. فلابد إذن من التعب والصبر كما يرى أديب الذي اختار الطيران «أشرف مهنة خلقها الله» كما يقول. اختار هذه الطريق الشاقة والسامية وتحقق حلمه وطموحه. وهو معتد بنفسه، بيده أقوى سلاح، وعليه أن يحمي بلده ووطنه . لقد أتى اليوم الذي طال انتظاره له.. سبع سنين، وأديب يمني نفسه به وبلقاء العدو، فالسماء سماؤه، وقد دنسها هذا العدو، والأرض أرضه منذ الأزل، والعدو دخيل عليها غاصب. والحق والمنطق لايفرضان نفسهما إن لم يقترنا بالقوة المسلحة.

ويتساءل أديب أيضاً، وهو يرى أرضه وطناً للغرباء.. وكرامتنا جريحة.. و.. إلى متى ستستمر هذه الحال، ومن يعرف نتيجتها؟! ويجيب أديب نفسه: أنا.. أنا أعلم وكل من سيحمل السلاح.. فلأنطلق، عاهدت نفسي على أن أموت ميتة شريفة ميتة الرجال، فأكسب رضا الله والشعب والضمير.

وتمر أيام الحرب الأولى، وأديب ينتظر، حتى ليكاد يقتله الانتظار.. وأخيراً أذن له الله وهاهي «العمليات» تستدعيه: طائرات باتجاه دمشق، هي الآن فوق البحر، وماهي إلا دقائق حتى كان أديب وتشكيله في الجو، يطيرون إلى اللقاء... إنه اليوم الخامس في الحرب (10 تشرين الأول).. هاهي طائرات الفانتوم.. وفي أسفل بطنها أكثر من عشرين قنبلة وكأني به يراها.. هذه القنابل المعدة لبلده.. لنساء بلده.. لأطفال بلده.. لا.. لن تمر وهو حي على متن الميغ 21 «أقوى سلاح في العالم»، كما يقول.

نعم... هاهي الفانتوم أمامه.. يراها بأم عينه.. وهاهو حلمه الأكبر..: ألا زغرد يا صاروخي الحبيب..

ويلبي أديباً صاروخه.. ويزغرد الصاروخ الموجه رقم 1 إلى هدفه، وإذا بطيار الفانتوم وملاحها.. يقذفان نفسيهما منها، لم يستغرق ذلك أكثر من 15 ثانية.. ولكن هاهي الطلقات تأتي أديباً من خلفه.. والصواريخ معها تلاحقه.. حتى هذه البرهة، لم يكن أديب قد فكر بالدفاع عن نفسه، فهمه أن يدمر الفانتوم، وهمه ألا تمر وهو حي. هاهما طائرتا فانتوم تهويان جبلين من نار، على أرض لبنان الشقيق وبحره.. وفي أثناء ذلك ويا لفرحته الكبرى!.. كان يسمع أصوات رفاقه، ضباط تشكيله، تلعلع معاً تارةً ومختلطة تارة أخرى.. ومتتابعة تارة ثالثة: أسقطتها.. أسقطتها.. إنهم أبطال.. وإنه ليقطف معهم ويجني ثمار تعبه عليهم، وتعبهم المشترك.. بل الموحد. ويصيح أديب: «هذه هي العقيدة، ونحن الطيارون العقائديون». ويعود وتشكيله سالمين، وقد دحروا تشكيلاً كبيراً من الفانتوم عن عاصمتهم.

في صباح اليوم التالي، تمكنت بعض طائرات العدو من الوصول إلى قاعدة أديب ورفاقه.. وقصفت بلؤم.. إنما قصف الطائش ويصيح أديب مرة أخرى، وإنها أمنيتهم جميعاً، أمنية الأماني: «يا رب أريد أن أموت في الجو، لا على الأرض». وانقطع القصف، إلا قنابل موقوتة على الأرض، وقبل تفجيرها كان الأمر بالإقلاع قد صدر، ومهمة أديب وتشكيله حماية القاعدة...

هاهو الحلم يتحقق للمرة الثانية: رآها.. الفانتوم.. واحدة.. واحدة.. بعد واحدة...، قبل أن تصل مطاره. وماهي إلا ثوان حتى كان وتشكيله بينها، في وسطها وقلبها: «لن تمر، فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا». لقد رددها مجيد معك يا أديب وكتبها كما كتبتها، وأردتما معاً أن تكتباها بدمكما. والفانتوم قريبة منه ومن طياري تشكيله، حتى بدت كبيرة.. كبيرة.. فلا حاجة لتدقيق التسديد، فحجمها الكبير يحتضن الطلقات كلها.. وماهي إلا دقائق معدودة، حتى يتنفس أديب الصعداء. لا لأن الخطر ابتعد عن مطاره فحسب.. بل: «لقد كان فطوره ثلاث فانتوم محملة بالقنابل، وأصبح المجموع خمساً». وقضى أحلى لياليه، يداه على الفيلم الذي يصورها. إنه الكنز الثمين.. الحرز الغالي. وإنه ليتيه به فخراً واعتزازاً.. وفي الفيلم يظهر رأساً طيار إحدى الفانتوم وملاحها.

وأتى دور المعركة الجوية فوق ذرى جبل الشيخ (20، 21، 22/10): ثلاثة أيام. لاينكر أديب أن العدو استمات فيها. ويعلم أديب بنبأ إصابة رفيقه وزميله في الدورة «مجيد» وكانا على اتصال مستمر، وتعاقدا على الموت في سبيل الوطن، وتمر في خاطر أديب أيام المدرسة والدورة والتدريب ولايقطع تأملاته سوى صوت انفجار وشهاب نار.. إنها علامة الإقلاع.. ويقلع النسور طائرين إلى الذرى، ذرى جبل الشيخ.. وفي الأعالي كان أديب وضباط تشكيله يسمعون أزيز طائرات الميغ 17 التي عليهم أن يحموها. وفجأة تنذره «العمليات» بوجود طائرة معادية، إنها الميراج هذه المرة، وعلى أديب ورفاقه أن يكسروا الطوق المحيط بالميغ 17. وكان عدد طائرات العدو أضعاف مضافة، فيفضل أديب ألا يشتبك بها فوق أرضها (التي هي حقاً أرضه)، وتنجح مناورته، وتلحق به وبتشكيله طائرات الميراج، فيكون نصيبه منها اثنتين، إحداهما سقطت فوق الجبل، وقذف الطيار نفسه من الثانية، وبأية براءة وعفوية يقول أديب هنا: «وإني ألبس حذاءه الآن».

أصيبت طائرة أديب إصابة مباشرة وقذف بمظلته، بينما كانت إحدى الميراج تطلق النار عليه، فلم يتردد في تمزيق المظلة ليهبط بسرعة هائلة. وكسرت رجلاه وظهره وحمل البطل الجريح إلى المستشفى.

أما الأبطال الثلاثة. الرواد الطيارون:

نجدة جلبي، كمال أبو الخير، جلال خدام، فهم لم يقتربوا من التفاصيل، بل كتبوا موجزين وكأن لسان حالهم يقول: «البلاغة كلمة» أو «بسيفي إذا جد الوغى لخطيب». ولنبدأ بنجدة:

يوم تشرين يا له من يوم.. طال بنجدة انتظاره، فكأنه يتقلب على الجمر متحرقاً لقدومه، ورغبة الثأر لضحايا دير ياسين وغيرها وغيرها من المجازر التي اقترفها الصهاينة حين بقروا بطول النساء الحبالى ومزقوا بحرابهم أجسام الأطفال ولم يرحموا الشيوخ العجز، رغبة الثأر تتأجج بين الضلوع وتقض على نجدة مضجعه مقيمة لاتبرح، ترافقه في ليله ونهاره وحله وترحاله، في السماء وعلى الأرض، في التدريب والدراسة.. حتى في أوقات فراغه ولهوه البريء.

وحان اليوم، يوم الثأر والجود بالدم الغالي.. ويذكر نجدة أيام طفولته، كيف كان يتمنى، عندما يرى الطائرات تمر هادرة فوق المساكن، أن يكون واحداً من هؤلاء النسور ليحمي تراب الوطن، ليحمي البسمة على شفاه الأطفال. وتحققت الأماني، وحميت، والله، يا نجدة تراب الوطن. وأما البسمة على شفاه الأطفال فباقية بفضلك وفضل رفاقك في سلاحك وسائر الأسلحة وبفضل الشعب الصبور المقدام الذي أنجبك وأمثالك.

في إحدى الطلعات، تلوح أمام عيني نجدة طائرات الفانتوم.. إنها قادمة إليه، إلى بلده الحبيب لتزرعه ناراً ودماراً، وإلى رفاقه على الأرض لتستحل دماءهم.. يراها منه تقترب وهو إليها يطير شوقاً، حتى لا مسافة بين الحق والباطل، فالطائرات تطوي المسافات طياً.. وتتأجج النار في ضلوع نجدة. إنها ثمان وهو لايرافقه إلا رفيق واحد: طائرتان ميغ 17 تجابهان ثماني من الفانتوم.. وتتلاشى المسافات فيرى نجدة حمائل القنابل والصواريخ.. ورأى في الدمار الذي تحمله بسمات الأطفال التي يحبها تنطفئ على وجوه الأطفال الشاحبة.. وعيون الأمهات.. رآها لن تقر إذا وصلت هذه الطائرات.. هناك الواجب والوطن.. وأرضه الخضراء.. وأمته العربية التي نذر نفسه لها..

وبقلب قد من الغضب الأسود على المعتدين ومن الحب الطاهر للوطن وأطفاله، يسدد نجدة ويطلق، فتتهاوى الفانتوم.. ولايذكر نجدة عدد ما تهاوى منها. وتتوالى الطلعات.. وتتوالى معها مآثر نجدة ونخواته.. ولكن يا لخيبة الأمل المرة التي أحس بها عندما سمع بوقف إطلاق النار.. ولكن لا، ستعود تلك الأيام الجميلة التي عاشها في المعركة.. إنها أسعد أيام حياته... ستعود وستتحرر الأرض الحبيبة.

ولننتقل إلى كمال:

إن أكثر ما يشغله ويحزنه ويثيره هو عار النكسة... وعلى عاتقه، ورفاه وأبناء وطنه العربي، يقع غسله. وعليه الذود عن الحرمات والمقدسات وألا يترك للغاصب أرضاً عربية يدنسها.. وكان يوم السادس من تشرين... يوم كسر الطوق الملتف على الإرادة العربية وتحريرها. ورأى كمال في هذا اليوم الحمم تتطاير فوق رؤوس الأعداء الغاصبين، في السماء وعلى الأرض.. وهاهو ورفاقه يطيرون إلى أهدافهم، في اليوم الأول، ويبلغونها وينالون منها. ويقدم الطيار العربي البرهان تلو البرهان على أنه أقوى من عدوه وأشد مضاءً وإقداماً. ففي كل يوم، منذ بدء الحرب، مآثر وبطولات، ورسوخ التصميم على طرد الغاصب، فمهما قدمت الإمبريالية من عون للصهاينة حلفائها تحطم ذلك على صخرة الإرادة العربية وعزيمة العرب القعساء....

في اليوم الثاني والثالث، يأبى كمال أن يفارق طائرته إلى أن يتم تجهيزها ليقلع بها طائراً إلى ساحات الواجب والشرف، وليصب حممه على عصابة أرادت هدر دم الآباء والأبناء.. وتكررت الطلعات، وفي إحداها، فتح كمال نار مدفعه على دبابات العدو. باذلاً المحال ليصيب أهدافه. وفي أثناء مناورته تصاب طائرته ويأخذ وقودها بالتساقط ونفذ كما مهمته، إنما لايريد أن يتخلى عن طائرته ويقذف نفسه منها، وصبر وقاوم حتى وصل إلى قاعدته، لتتلقف طائرته أيدي الفنيين وتصلحها، ويعود كمال فيمتطيها ليطير إلى حيث تكالبت عصابات العالم المجرمة، المتألبة على أرضه العربية المحتلة الحبيبة.

وهذا البطل الخامس من الأبطال الأحياء، جلال، إنه مثل رفيقيه، نجدة وكمال، إيجازاً في الكتابة والكلام، وإنه مثلهما يفعل أكثر مما يقول.

يسمع جلال، منذ نعومة أظفاره، أن الصهاينة احتلوا قسماً عزيزاً من أرض وطنه وأقاموا فيه غاصبين، وإنهم ليطمعون في احتلال أجزاء أخرى...

ومنذ دخوله المدرسة، والأماني العذاب تخفق بين جوانحه، إنما أغلى هذه الأماني وأشدها سيطرة عليه أن يسهم في تحرير هذه الأرض الحبيبة المغتصبة... إنها الأمنية الأثيرة عنده، الوحيدة التي يلتئم بتحقيقها الجرح الدامي وينتزع الحق السليب وتكسر شوكة هذا الدخيل الذي شرد الملايين من الشيوخ والنساء والأطفال.

يتحدث جلال عن انتسابه إلى الكلية، وتدربه على مقارعة طيران العدو، والحماسة والإيمان في قلبه يتأججان.

وجاء اليوم الموعود الذي طال انتظاره وتمنيه... وبزغت شمس التحرير، وجلال ورفاقه على أهبة الاستعداد «ليروا عدوهم ويروه أنفسهم» كما يقول.

هاهي الطائرات العربية، فوق معاقل البغي والطغيان. كانت طلعة الثأر الأولى.. ولكن المسافة بينه وبين العدو كبيرة جداً... كبيرة جداً... هكذا يحسها ويراها جلال وهو طائر إلى العدو بسرعة الألف كم في الساعة على الأقل.. فيا لشوقه إلى اللقاء، ما أشده، ويا لشوقه إلى بذل دمه رخيصاً في سبيل تحرير الأرض....

هاهو يقارعهم في السماء، ومن السماء... أين هم؟ّ! أين جيشهم الذي لايقهر.. أين أسطورته؟! لقد جعلتها خرافة قديمة بالية أنت ورفاقك يا جلال فطوبى لكم وطوبى لأمتكم بكم، شهداءً وأحياءً.

 

استنتاجات عن سماء المعركة:

1- قامت القوى الجوية السورية بتغطية القوات المهاجمة ودعم أعمالها القتالية وقد نفذت بهذا الغرض حوالي 6 آلاف طلعة طائرة خلال حرب تشرين التحريرية كما نفذت بعض الطلعات الليلية وبلغ عدد اشتباكاتها وطيران العدو زهاء 69 اشتباكاً، بلغت خسارة العدو الإسرائيلي فيها (102) طائرة مقاتلة. وخسارتنا 64 طائرة مقاتلة. وهذا يعني أن كل ثلاث طائرات إسرائيلية أسقطت، يقابلها طائرتان سوريتان. ولاأكتم القراء أننا، قبل حرب تشرين كنا في القيادة العامة للقوات المسلحة نقبل بطيبة خاطر أن تكون نسبة خسارتنا في الاشتباكات الجوية واحداً إلى واحد، وحتى واحداً إلى اثنين لسبب بسيط هو أن طائرة الفانتوم أفضل من طائرة ميغ 21 في بعض النواحي الفنية، فإذا ما أخذنا شجاعة الطيار السوري وإقدامه وجرأته بعين الاعتبار تصبح النسبة التي ذكرتها مقبولة. لذلك كان سرورنا عظيماً برجال قواتنا الجوية الذين مزقوا سلاح الطيران الإسرائيلي ببطولتهم ومهارتهم في استخدام طائراتهم وحققوا هذه النتيجة المعجزة وهي إسقاط ثلاث طائرات إسرائيلية مقابل كل طائرتين سوريتين.

2- نفذت القوى الجوية مهمة دعم القوات البرية بشكل فعال ومثمر. وبلغ عدد طلعات القوى الجوية للدعم الجوي قرابة 800 طلعة طائرة، وقد أسهم الدعم الناري الذي قدمته القوى الجوية في إذكاء الروح المعنوية في القوات البرية، كما أرسخ ثقة عناصر القوى الجوية في إمكاناتهم القتالية.

3- نفذت القوى الجوية مهمات الإنزال الجوي في جبل الشيخ وتل الفرس وكفر نفاخ وواسط ومزرعة بيت جن كما نفذت مهمات نقل العتاد والأفراد والمؤن ومهمات البحث والإنقاذ للركب الطائر طوال أيام الحرب الرابعة. وقد دل سير الأعمال القتالية التي خاضها لواء الطائرات على الروح المعنوية العالية التي تميز بها الركب الطائر والدقة والسرعة في تنفيذ المهام التي وقعت على عاتق الطيارين وسرعة تجهيز العتاد بالنسبة للفنيين، كما كانت روح التعاون والتضافر والانسجام بين عناصر اللواء والوحدات المنزلة جواً، سائدة طوال مدة الحرب.

4- نفذت وحدات الدفاع الجوي، لاسيما المزودة بالصواريخ المختلفة، وهي تتعاون والطيران المقاتل تعاوناً وثيقاً، مهام صد الضربة الجوية الكثيفة وتغطية التجميع الرئيسي للقوات والأهداف الحيوية. وأوقعت في طيران العدو خسائر كبيرة ومفجعة أسهمت إسهاماً فعالاً في شل قدرة الطيران الإسرائيلي وتعطيل فعاليته بعد أن خسر 250 طائرة بالوسائط المضادة. وهذا ما أدى بدوره إلى رفع القوى المعنوية في القوات المسلحة ولدى المواطنين. وهذا ما جعلنا نتطلع بتفاؤل إلى مستقبل قريب يتحقق فيه النصر الأكيد والتام.

5- برهن الطيارون السوريون والعناصر الفنية الأخرى في القوى الجوية والدفاع الجوي على بسالة رائعة في التصدي لمواجهة العدو، وعن مهارة فائقة في استخدام وسائط الصراع المسلح المعقدة استخداماً صحيحاً. وهكذا قدموا للعالم أجمع الدليل القاطع على أن العرب يتقنون استخدام الأسلحة المتطورة. وحرب تشرين التحريرية أكبر برهان على ذلك. ولقد أكدت الحسابات التي أجريناها بالنسبة لعدد الطائرات المسقطة عدد الصواريخ المستهلكة في الحرب أننا حققنا في هذا المجال معدلات قياسية. فمعدل الصواريخ الوسطي يتراوح بين 1.5-2 صاروخ لكل طائرة مسقطة. وهذه النسبة تعد أكثر من جيدة جداً. بل تعتبر ممتازة.. لأن جميع الحسابات النظرية تؤكد أن كل طائرة تحتاج من 2-3 صواريخ لكي تسقط ونحن في جيشنا تجاوزنا هذه النسبة.

6- لقد ظهر التضافر والتعاون بين عناصر القوى الجوية والدفاع الجوي بمظهر لم يسبق له مثيل في التاريخ، فبالإضافة إلى التنسيق الرائع بين أعمال الطيران المقاتل ووسائط الدفاع الجوي، ـ لاسيما وحدات الصواريخ أرض-جو والذي أدى، كما اعترف الخبراء العسكريون الأجانب والصحافة العالمية، إلى طحن عظام سلاح الطيران الإسرائيلي، ـ كانت روح الألفة والمحبة والاثرة البارزة في كل أعمال رجال القوى الجوية والدفاع الجوي وسأروي حادثة بسيطة تدل على ذلك:

في إحدى الغارات الجوية على مطار الناصرية، كان أحد طيارينا الشجعان، قد عاد من مهمته وهبط بطائرته على مدرج المطار ثم توجه إلى الملجأ. وما كاد يخرج من الملجأ ويجتاز منتصف الطريق إلى استراحة السرب، حتى فاجأته الغابة الجوية المعادية.. وكان يسير بقربه أربعة ضباط مهندسين من العناصر الفنية في القوى الجوية.. أدرك هؤلاء الأبطال أن الوطن أحوج إلى الطيار المقاتل منه إلى مهندسين حتى لو كانوا أربعة فهرعوا واثبين وثبة رجل واحد، وكأنهم على اتفاق، وهم لم يتبادروا نظرة واحدة ليتساءلوا عما يفعلون، هرعوا إلى الطيار الذي لم يتح له الوصول إلى أقرب خندق فارتمى على أرض مكشوفة، وألقوا بأنفسهم عليه ليحموه بأجسامهم من شظايا قنابل العدو.. لقد كان الوطن في أعينهم أعظم شأناً من حياتهم.. وانحسرت الغارة ونهض الضباط الخمسة، المهندسون الأربعة والطيار المقاتل، ينفضون عنهم الغبار ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة. كانت نظراتهم أقوى من الكلمات.


ألف ياء الأخبار
المصدر: موسوعة القائد الخالد
مواضيع ذات صلة
 
 
 
حرب تشرين: القوات الجوية الإسرائيلية.. ووسائط الدفاع الجوي السوري وأعمالها القتالية
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات