Share
2013-10-07
عدد المشاهدات: 12509

الاقتحام الرأسي لجبل الشيخ من أهم معارك حرب تشرين

الاقتحام الرأسي لجبل الشيخ من أهم معارك حرب تشرين
مصدر الصورة:

اتسمت معركة جبل الشيخ بأهمية عسكرية بالغة. وهي تعتبر من الأحداث الهامة في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، وتحتل مكاناً خاصاً في تاريخ هذه الحرب. فهي أول معركة استطاعت أن تحطم الغرور الصهيوني والادعاء الإسرائيلي، وفيها تمكنت قواتنا الخاصة من احتلال قلعة منيعة من قلاع العدو، الذي صورته الدعاية الصهيونية أنه قوة لاتقهر.. ففي هذه المعركة أمكن تدمير الوحدات المعادية في مرصد جبل الشيخ، كما أمكن أسر عدد من الإسرائيليين بأقل وسائط ممكنة في تاريخ الحروب.

إن مرصد جبل الشيخ الذي يرتفع عن سطح البحر 2100 متر قوي جداً بطبيعته.. وهو يسيطر على كل المناطق الممتدة من سفوح جبل الشيخ الشرقية، إلى غوطة دمشق وسهول حوران. وإن السير عبر المسالك المؤدية إلى المرصد أمر في غاية الصعوبة.. وكان معلوماً لدى القيادة أن العدو جعل من هذا الموقع قلعة حصينة، وجهزه بأحدث الأجهزة الالكترونية للاتصال والمراقبة والتشويش وأنشأ فيه دفاعاً قوياً.

إن احتلال المرصد المعادي في قمة جبل الشيخ الذي كان حلماً جميلاً، أصبح حقيقة واقعة.

في ليلة 6 تشرين الأول، وقبل بدء الهجوم، تمكنت مجموعة من الوحدات الخاصة من الوصول إلى محور شبعا، جبل الشيخ، حيث نصبت كميناً لقطع الطريق على القوات المعادية القادمة لنجدة المرصد أثناء مهاجمته من قبل قواتنا.

بعد ظهر 6 تشرين الأول، ابتدأت المعركة من أجل احتلال المرصد المعادي، بعد بدء التمهيد الناري. وفي هذه الأثناء تقدمت المجموعة الأولى من الوحدات الخاصة باتجاه المرصد المعادي وكان النقيب المظلي محمد الخير يشرف على تقدم المجموعات، إذ كان من المقرر أن يتم اقتحام المرصد على شكل موجات متلاحقة، وتتكون كل موجة من مجموعة من المقاتلين يتقدمهم ضابط. أما مجموعة الدعم الناري فقد تركزت مسبقاً في المنطقة الغربية من المرصد، ومهمتها تدمير أية قوات معادية تتقدم باتجاه المرصد.

وعند وصول المجموعة الأولى إلى المرصد، اندفعت بقيادة الملازم أول جاسم الصالح نحو المدخل الخارجي، وتمكنت من تدمير الرشاش 12.7مم، الذي فتح نيراناً غزيرة عليها، وقد أصيب الملازم أول جاسم برشقة في صدره فسقط جريحاً أمام مسند الرشاش وهو يصرخ: «اثأروا لي..». ثم سقط جريح ثان، وثالث.. حينئذ تولى النقيب محمد الخير قيادة المجموعة الأولى، وأمر الملازم نايف العاقل قائد المجموعة الثانية بالاقتحام خلف المجموعة الأولى، وفي هذه الأثناء كان المجند علي أحمد العلي يندفع باتجاه سارية العلم الإسرائيلي المرفوع فوق المرصد، وكان يمني نفسه أن يكون أول من يمزق هذا العلم البغيض، الذي نسجت خيوطه من الحقد العنصري الصهيوني، ورسمت نجمته بألوان الغزو والاستعمار والعدوان.. إلا أن رشقة نارية حالت دون وصوله إلى العلم، فسقط شهيداً مضرجاً بدمائه تحت السارية حيث كانت عربة مدرعة معادية عليها رشاش 12.7مم.

قاوم الإسرائيليون بكل صلابة وعناد. واتخذ القتال طابع العنف الشديد، ولاسيما عندما تم إنزال رأسي بوساطة إحدى طائراتنا العمودية فوق المرصد، واندفعت عناصر الإنزال بجرأة نادرة تقاتل جنباً إلى جنب مع عناصر المجموعتين. وبإشارة من النقيب محمد الخير قفز المجند عبد الإله المهندس على العربة المدرعة من فوق السور الداخلي، وتمكن من قتل الإسرائيليين اللذين كانا يفتحان النيران على عناصرنا.

لم تذهب أمنية الشهيد علي أحمد العلي سدى، فقد اندفع النقيب محمد الخير باتجاه سارية العلم.. وحاول أحد الإسرائيليين قتله، فبادره بقنبلة يدوية أردته قتيلاً.

وصعد النقيب الدرج المؤدي إلى سارية العلم. وعلى الرغم من النيران الإسرائيلية، أمسك بالعلم، وأخذ يلوح به بيديه ويردد صيحة النصر: الله أكبر.. الله أكبر عاش الفريق الأسد. ولم يكد المقاتلون يسمعون صيحة النصر، تجلجل في الموقع حتى اندفعوا كالصواريخ وهم يرددون: الله أكبر.. الله أكبر، التي انطلقت من حناجرهم هادرة كالرعد القاصف، واقتحموا الموقع الحصين، كل منهم إلى الهدف المحدد له..

شاهد المجند يوسف زوزو ضابطاً إسرائيلياً يحاول قتل النقيب محمد أثناء اندفاعه إلى سارية العلم، فأسرع كالبرق الخاطف، وهدد الضابط الإسرائيلي بقنبلة يدوية طالباً منه رمي السلاح والاستسلام، فأسقط في يده، ورفع يديه مستسلماً.

وأثناء القتال العنيف، الذي دار فوق المرصد، تم إنزال مجموعة أخرى من الوحدات الخاصة بالحوامات إلى الغرب من المرصد المعادي، وعلى بعد ثلاثة كيلومترات، حيث نصبت المجموعة كميناً على محور مجدل شمس-جبل الشيخ.

وبعد نجاح عملية اقتحام المرصد، التي لم تستغرق سوى نصف ساعة، تحركت مجموعة التطهير بإمرة الملازم أول محمود معلا، وقامت بتطهير سراديب المرصد. وقد تمكنت من أسر عدد من الإسرائيليين، الذين كانوا مختبئين في الغرف الداخلية ضمن السراديب.

وفي صباح 7 تشرين الأول قام العدو بقصف جوي ومدفعي متواصل وشديد على المرصد المحتل، إلا أنه لم يسفر عن أية نتيجة. وتابعت المجموعات القتالية أعمالها في تنظيم الدفاع عن المرصد، وإخلاء الشهداء والجرحى، كما تابعت تطهير الممرات والسراديب الداخلية، حيث ظلت بعض الغرف مغلقة بأبوابها الحديدية التي لاينفذ منها الرصاص.

كلفت مجموعتان بمتابعة التطهير، مجموعة بقيادة الملازم أول محمود معلا، وأخرى بقيادة الملازم وليد تامر. وقد استعانت هاتان المجموعتان بالأسرى، لاسيما الشرقيين منهم، من أجل الاهتداء إلى مداخل المرصد ومخارجه.

جرت عملية التطهير بصورة ناجحة على الرغم من بعض العناصر المعادية التي بدأت مقاومة كبيرة، واحتمت خلف الأبواب الحديدية السميكة في الغرف الداخلية. إلا أن القنابل الدخانية والقنابل اليدوية الهجومية، التي ألقيت عليهم من فتحات التهوية في سطح المرصد. اضطرتهم للخروج والاستسلام وهم يصرخون: أمان عرب.. أمان عرب.. هدأ النقيب محمد من روعهم وأخبرهم أنهم سوف يعاملون كأسرى.. عجبوا لهذه المعاملة، التي لم تنم في الحقيقة إلا عن شهامة الفارس العربي، فالقيادة الإسرائيلية قد غرست في أذهانهم أن العرب وحوش، وبخاصة المقاتلين السوريين.

وفي صباح 8 تشرين الأول كان مقاتلو الوحدات الخاصة في أماكنهم حول التباب المحيطة بالمرصد.. وفجأة مزق الهواء أزيز حاد، ثم دوى انفجار قنبلة فزلزل الأرض.. وتبع الانفجار الأول ثانٍ وثالث.. وتوالت الانفجارات من طيران العدو ومدفعيته.

سمع الملازم أول أحمد الجوجو، قائد مجموعة الكمين على محور مجدل شمس-جبل الشيخ، هدير محركات وصليلاً (سلاسل دبابات ومجنزرات..).. وكان الجو يتميز بالضباب الكثيف، الذي ينقشع لفترة قصيرة ثم يعود.. وما إن اشرأب بعنقه من موقعه الدفاعي حتى شاهد الدبابات المعادية تتقدم على محوري مجدل شمس-جبل الشيخ وشبعا-جبل الشيخ باتجاه المرصد. أخبر النقيب محمد بالأمر، فقال له: خذ حذرك.. وتهيأ مع رجالك للقتال..كانت عناصر القواذف المضادة للدبابات موزعة ما بين المرصد والكمين على مجموعات، تتألف كل مجموعة من ثلاثة مقاتلين مزودين بالرشاشات الخفيفة والمتوسطة والقنابل المضادة للدبابات. وزعت الألغام على المحورين توزيعاً ظاهرياً لإرغام الدبابات على الوقوف، وترجل العدو لإزالتها فتكون هدفاً واضحاً للنيران.. تابعت الدبابات المعادية تقدمها، وكمن المقاتلون في مواقعهم، منتظرين وصول أولى الدبابات، وما هي إلا نصف ساعة، حتى وصلت دبابات العدو وتوقفت أمام الألغام الملقاة بطريقة واضحة على الطريق، وترجل منها الجنود الإسرائيليون، لإزالة الألغام.. وهنا انهال المقاتلون على جنود العدو ودباباته، وأخذوا يقذفونها بالقنابل المضادة للدبابات، فاشتعلت النيران فيها. ولقد قدر عدد الدبابات المتقدمة على محور مجدل شمس-جبل الشيخ بـ 35 دبابة ومجنزرة، وعلى محور شبعا-جبل الشيخ بحوالي 45 دبابة ومجنزرة، وفي هذه الأثناء بدأت المعركة، وأخذ قائد المجموعات يتلقى تقارير القتال من مجموعات الهضاب الغريبة عن تسلل عناصر معادية.. وكان الأمر: دمر العدو، وامنعه من التقدم.. ونشبت في منطقة الهضاب الغربية اشتباكات مباشرة بين رجالنا والإسرائيليين، استخدمت فيها الرشاشات والقنابل اليدوية والحراب.. أثناء القتال العنيف، تمكنت مجموعة معادية من التسلل من سفوح المرصد الجنوبية المقابلة لقرية حضر. إلا أن الملازم يحيى نيوف قام مع خمسة من عناصر مجموعته بالالتفاف حول السفوح الجنوبية للمرصد، بينما قام الملازم محسن إبراهيم بتثبيت العدو أمامه بالنيران وركز الملازم يحيى رشاشاً متوسطاً على إحدى الهضاب الغربية، وفتح النيران فجأة على العدو، وتمكن من تدميره ودحره، وقد أصيب في هذا الاشتباك الملازم يحيى نيوف بطلقة من النوع المحرم دولياً (دمدم). حينئذ وضع يده على جرحه الذي ينزف بغزارة وأخذ يحث جنوده على الصمود ومتابعة القتال، مستثيراً نخوتهم وحماستهم.. فما كان من عناصره إلا أن انقضوا على الأعداء المنسحبين كالأسود وأجهزوا عليهم جميعهم.

وعندما تابعت بقايا من دبابات العدو تقدمها على المحورين المذكورين، كفلت بالقضاء عليها المدافع المضادة للدبابات المتمركزة في الهضاب، واندفع المقاتلون يصبون سعيرهم عليها، وشتت إعصار النيران تشكيل العدو القتالي.

من المشاهد الرائعة قيام الجندي الاحتياط عماد زغبور بمأثرة بطولية.. فأثناء صد هجوم العدو المضاد، أمسك بقنبلة يدوية، وزحف باتجاه دبابة القائد المعادي، وانتظر حتى اقترب العملاق المدرع منه، وبقفزة واحدة كوثبة النمر، تسلق جسم الدبابة من أعلى، واستولى على برجها، وألقى بنفسه وبقنبلته اليدوية فيه.. وفجأة أصبحت الدبابة الرهيبة كتلة من الخردة والحديد المحترق.. وعندما تبدد الدخان، شاهد المقاتلون الدبابة مشتعلة واندفعوا بحماسة وإقدام يثأرون للبطل الشهيد.. لقد استشهد بطل الجمهورية عماد زغبور، ولكن نور مأثرته أصبح مناراً يهتدي به رفاقه المقاتلون.

كان صمود المظليين وحماستهم مفاجأة تامة للعدو، الذي سرعان ما لجأ إلى الفرار من أرض المعركة، بعد أن خلف عشرات القتلى وراءه.. إلا أن المقاتلين من مغاوير الوحدات الخاصة كانوا للعدو المنسحب بالمرصاد.. وقد تمكنت سرية مغاوير، كانت تعمل في منطقة مجدل شمس بإمرة قيادة القطاع الشمالي، من تدمير العناصر المعادية المنسحبة..

كان من الواضح أن لواء النصر في المعركة سيعقد على هامات المقاتلين العرب.. فقد كانوا يهاجمون بجرأة ومهارة نادرتين، منزلين بالعدو خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

إن هزيمة مجموعة الدبابات المعادية، التي اندحرت في منطقة جبل الشيخ أصبحت مأثرة من مآثر البطولات الخارقة لايرقى إليها الشك..

ولقد منح النقيب محمد الخير والملازم أول جاسم نايف العاقل والمجند عبد الإله المهندس وسام «بطل الجمهورية» تقديراً لما أبدوه من جرأة وشجاعة في هذه المعركة.


ألف ياء الأخبار
المصدر: موسوعة القائد الخالد
مواضيع ذات صلة
 
 
 
الاقتحام الرأسي لجبل الشيخ من أهم معارك حرب تشرين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات