Share
2013-10-07
عدد المشاهدات: 5803

مرحلة التوازن الاستراتيجي للجبهتين السورية والإسرائيلية من 15 إلى 24 تشرين الأول 1973

مرحلة التوازن الاستراتيجي للجبهتين السورية والإسرائيلية من 15 إلى 24 تشرين الأول 1973
مصدر الصورة: سانا

انتهى زخم الهجوم المعاكس الإسرائيلي على الجبهة السورية ابتداءً من صباح 15/10/1973 وأيقنت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن التقدم إلى دمشق يعني تدمير الجيش الإسرائيلي وأن الاستمرار بالعناد والمكابرة سيؤدي إلى مذبحة حقيقية للقوات المسلحة الإسرائيلية. فلقد تكبد العدو 46 دبابة وناقلة مدرعة على محور دير العدس غباغب، كما تكبد 37 دبابة وعربة مدرعة على محور القنيطرة-سعسع و65 دبابة ومجنزرة على محور حضر-مزرعة بيت جن.

إن حلويات الشام لذيذة وممتعة ولكن للضيوف.. ولأصدقاء الشام.. أما الأعداء الصهاينة فلن نطعمهم غير «الزقوم» والموت الزؤام. أقول ذلك لأن زوجة موشيه دايان الجديدة (لا العتيقة) دعت صديقتها لتأكلا الحلوى في دمشق.. هذا الكلام كان في 12/10/1973 أي بعد بداية الهجوم المعاكس الإسرائيلي بيوم واحد.. وانتهى اليوم الأول.. والثاني.. والثالث.. وتوقف إطلاق النار ولم تأكل زوجة ديان الحلوى الشامية وإنما...

اقتصرت العمليات يوم 15 تشرين الأول على التمسك بالمواضع، وبذلت أقصى الجهود من قبل قواتنا لاسترداد التلال المشرفة والنقاط الهامة ولكن بدون جدوى، بسبب مقاومة العدو الشديدة وتعزيزها بقوى جديدة. وخلال ليلة 14-15 تشرين الأول، اتخذ قرار بالقيام بهجوم معاكس بقوات صلاح الدين العراقية واللواء 40 أردني، واستمرت التحضيرات لتنفيذ الخطة المقررة.

نفذ يوم 16 تشرين الأول الهجوم المعاكس بقوات صلاح الدين واللواء 40 أردني، إلا أن هذا الهجوم لم يحرز نجاحاً بسبب الرمايات التي تعرض لها، وتمسك القوات المعادية بالتلال المشرفة والمسيطرة على المنطقة. وفي المساء اضطرت قوات صلاح الدين للتراجع، فلاحقها العدو، وتمكن من الوصول إلى عين عفا، غير أن القوات السورية استطاعت استردادها وأجبرت العدو على التراجع عنها. كذلك استمرت فرقة الدبابات الثالثة بمهاجمة تل الشمس طيلة هذا اليوم، غير أنها لم تتمكن من استرداده. كما قامت قوات الفرقة المشاة الخامسة ببعض الإغارات على الرفيد وتل السقي والجوخدار، ودمرت هذه المواقع، وعادت بدون أن تتكبد أية خسائر.

اقتصرت العمليات خلال يوم 17 تشرين الأول على تكليف فرقة الدبابات الثالثة وفرقة المشاة السابعة وقوات صلاح الدين بالقيام بإغارات على تل الشمس وتل عريد وتل مرعي وتل عنتر وتل العلاقية واحتلالها. إلا أن هذه الإغارات لم تؤد إلى نتيجة بسبب تمسك العدو الشديد بهذه النقاط وتعزيزها ودعمها برمايات المدفعية وقصف الطيران. وبقيت القوات المعادية متمسكة بالخط المحتل ومحافظة عليه. واستمر التراشق بنيران المدفعية ونشاط الطيران، كما ازدادت الأعمال النشطة في القطاع الجنوبي، ونفذت بعض الإغارات والكمائن على نقطة الرفيد والجوخدار وتل السقي.

قام العدو يوم 18 تشرين الأول بإغارة على أماكن انتشار احتياط الجيش المضاد للدبابات في السفوح الجنوبية لتل الشيح، إلا أن هذه الإغارة أخفقت في تحقيق غرضها، وأمكن العثور على بعض الأسلحة الفردية التي كانت تحملها عناصر هذه الإغارة.

كما قامت قوات صلاح الدين بالإغارة على تل عنتر، وقد تمكنت من تدمير 12 دبابة معادية وعادت بدون أن تتمسك بالتل.

ابتدأت عمليات العدو منذ صباح 19 تشرين الأول بمهاجمة أم باطنة، وقد تمكن من احتلالها في الساعة 1.30 بعد قتال مرير خاضته إحدى كتائب لواء المشاة 52، التي كانت تحتل موقعاً دفاعياً. وقد اضطرت هذه الكتيبة للتراجع بسبب كثافة القوات المعادية، وقوة الضغط المتزايدة عليها. إلى منطقة ممتنة، وكان قائدها قد جرح. وعلى ضوء هذا الموقف طلب من اللواء 40 الأردني أن يقوم بهجوم مضاد لاستعادة أم باطنة بالتعاون مع وحدات من اللواء 52 مشاة.

وقد تأخر اللواء الأردني في تنفيذ الهجوم المضاد، ولم يحرز نجاحاً كبيراً بسبب رمايات المدفعية والطيران المعادية الكثيفة، وحدوث خسائر كبيرة بين صفوفه. ولكن على الرغم من هذا، تمكن من إيقاف تقدم العدو باتجاه نبع الصخر، واضطره للتراجع إلى أم باطنة والتمسك بها. وفي الساعة 6.00 تمكنت قوات صلاح الدين العراقية من القيام بإغارة صامتة على تل عنتر واحتلاله، وفي الساعة 7.30 تابعت هجومها واحتلت تل العلاقية، وظلت متمسكة بهذين التلين حتى الساعة 15.30 حيث اضطرت للتراجع بسبب زيادة ضغط العدو، وكثافة رمايات المدفعية والطيران وحدوث خسائر في الأرواح والعتاد.

اقتصرت العمليات في يوم 20 تشرين الأول على التراشق بالمدفعية والطيران وقد قام الطيران الصديق في الساعة 5.15 بقصف أحد المصانع في حيفا وأحدث فيه خسائر كبيرة، كما نشطت أعمال الإغارات والكمائن في منطقة تل مرعي وعين عفا والهبارية.

وفي يوم 21 تشرين الأول استمر التراشق بالمدفعية والطيران، ونفذت بعض الأعمال النشطة مثل مهاجمة تل مرعين وقد دار قتال عنيف مع الوحدات المعادية، وإنما بدون جدوى، إذ اضطرت وحداتنا للانسحاب بسبب زيادة ضغط العدو. وفي الساعة 15.30 قام العدو بقصف مرصد جبل الشيخ، وأنزل قوات حملتها 10 طائرات عمودية (هلكيوتبر). وجرى اشتباك عنيف بين قواتنا وقوات العدو. ثم تابع العدو تعزيز وحداته المنزلة جواً، سواءً عن طريق الجو أو عن طريق البر، كما قصف المرصد بالمدفعية والهاونات بالإضافة إلى القصف الجوي المركز. وبعد معارك ضارية استمرت زهاء 17 ساعة، تمكن العدو من احتلال المرصد في الساعة 8.30 من صباح 22/10 (أكتوبر) 1973.

أما البطولات الفذة التي أبدتها القوات الخاصة في المعركة الدفاعية التي خاضتها في جبل الشيخ، فسنوردها بتفاصيل في فقرات خاصة. وجهد العدو يوم 22 تشرين الأول في دفع وحداته لاحتلال مغر المير وحرفا، ولكن بدون جدوى.

وبينما كانت قواتنا تخوض معارك طاحنة في جبل الشيخ كانت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة تضع اللمسات الأخيرة على خطة الهجوم العام المعاكس السوري الذي خطط لتنفيذه في صباح 23/10 (أكتوبر) 1973 غير أن توقف إطلاق النار على الجبهة المصرية وقبول مصر وإسرائيل قرار مجلس الأمن 338 بوقف إطلاق النار، قد أخل بمبدأ التوازن الإستراتيجي للجبهتين السورية والمصرية، وهذا ما حدا بالرئيس حافظ الأسد أن يأمر بوقف الإجراءات الخاصة بتنفيذ العملية في الدقيقة الخامسة من صباح 23/10 (أكتوبر) 1973. وبعد صدور هذا الأمر في الدقائق الأولى من صباح يوم 23 تشرين الأول، اقتصرت الأعمال القتالية في هذا اليوم على الاشتباكات الجوية بين الطرفين، وخسرت القوات الجوية المعادية عدداً كبيراً من الطائرات (سنرى ذلك مفصلاً في فصل لاحق) وقد شدد العدو قصفه على قرى عرنة وريمة ومقروصة.

وفي الساعة 21.00 صدرت التعليمات إلى قائدي فرقتي، الدبابات الثالثة والمشاة السابعة بإعطاء التعليمات المشددة إلى قادة الوحدات لدفع الدوريات والكمائن إلى أقرب ما يمكن من العدو، وتعزيز الدفاع عن قرى عرنة ودربل وحينه.

في خلال يوم 24 تشرين الأول أعلن مجلس الأمن عن موافقة القطر العربي السوري على قرار هذا المجلس بوقف إطلاق النار وموافقة إسرائيل على ذلك. وصدرت التعليمات بتاريخ 24/10/1973. وهي تتضمن مايلي:

1- توقف النشاطات الإيجابية.

2- تكون القوات كلها جاهزة للرد على أي عدوان.

3- تنظيم الدفاع المنيع على الخطوط والهيئات التي توقفت عليها القوات.

خامساً ـ الاستعداد للهجوم العام المعاكس السوري:

لقد أعطت حرب تشرين التحريرية دروساً قيمة للعلم العسكري ولفن الحرب وستكون معارك هذه الحرب مادة هامة تدرس في الأكاديميات العسكرية ومراكز الدراسات الإستراتيجية.

من هذه الدروس الهامة تبرز أهمية التأمين المادي للحرب بكل أبعادها، إذ تصبح معركة الإمدادات بعد الأيام الأولى للحرب هي الجانب الهام من الصراع المسلح الدائر بين الطرفين، لاسيما في الدول التي لاتملك صناعة حربية متقدمة. وهذا ما حصل في حربنا الرابعة مع العدو الإسرائيلي.

إن التطور التقني لوسائط الصراع المسلح جعل نسبة الإصابة كبيرة، لاسيما في إصابة الأهداف الهامة كالطائرات والطائرات العمودية والدبابات والعربات المدرعة والسفن والزوارق، ولذلك فإن نسبة فقدان العتاد، لاسيما الدبابات، فاقت كل النسب المحتملة والمتوقعة، المستقاة (من خبرات الحرب العالمية الثانية ومن تجارب الحروب الثورية في الصين... وكوريا وفيتنام وكذلك من خبرات الحروب الهندية والباكستانية). لذلك بدأ الاتحاد السوفييتي بتزويد سورية ومصر بأنواع من الأعتدة الحربية المفقودة، لاسيما (طائرات ـ دبابات) وبدأت الولايات المتحدة الأمريكية بتزويد إسرائيل بأنواع من الأعتدة المفقودة، لاسيما (طائرات ـ دبابات ـ قواعد صاروخية م/د). كانت شحنات الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل تأتي عن طريق الجو إلى مطار اللد، وعن طريق البحر إلى ميناء حيفا بالنسبة للأسلحة التي تعزز بها إسرائيل الجبهة الشمالية، وعن طريق ميناء العريش بالنسبة للأسلحة التي تعزز بها إسرائيل الجبهة الجنوبية.

أما الاتحاد السوفييتي فكان الجسر الجوي ينقل العتاد الحربي إلى مطار حلب، ومطار القاهرة في مصر، كما كانت السفن الروسية تفرغ شحناتها في مرفأ اللاذقية في سورية ومرفأ الإسكندرية في مصر. ولهذا السبب كانت الدبابات القادمة من روسيا تتأخر تأخراً نسبياً عن الدبابات القادمة من أمريكا، لأن المسافة بين اللاذقية والجبهة تقدر بأربعمائة كم، وكذلك الأمر بالنسبة للجبهة المصرية، فالمسافة بين قناة السويس، والإسكندرية تقدر بأربعمائة كم أيضاً. أما الدبابات الأمريكية فكان وصولها أسرع، لأن المسافة بين حيفا ومرتفعات الجولان 60كم، والمسافة بين العريش وقناة السويس 60كم أيضاً. ومع ذلك فقد خاض الشعب السوري وقواته المسلحة معركة الإمداد بكل بسالة وتصميم رافعين شعار «يجب أن يصل السلاح إلى أيدي المقاتلين مهما بلغت التضحيات».

وقد حاولت إسرائيل في بادئ الأمر عرقلة الإمداد الجوي إلى سورية عن طريق قصف مطار حلب والتصدي للطائرات السوفييتية، فقد قصف مطار حلب بزوج طائرات فانتوم في الساعة 17.00 من يوم 8/10/1973 وأصيبت طائرة (انطونوف 12) روسية كانت تفرغ شحنتها في المطار، كما جرح أحد الملاحين السوفييت. عند ذاك تم التنسيق بين الجانب السوري والجانب السوفييتي على أن يتولى السوفييت حماية طائراتهم حتى دخولها الأجواء السورية وكانت الحراسة والتغطية تتم بطائرات مقاتلة من طراز ميغ 25. وعندما تصل طائرات النقل السوفييتية الأجواء السورية، كان سلاح الطيران السوري يتولى حمايتها وتغطيتها بطائرات مقاتلة من طراز ميغ 21 (م)، وبعد تنفيذ هذا الإجراء لم يحدث أي شيء يذكر من شأنه عرقلة الجسر الجوي السوفييتي إلى سورية.

أما في البحر، فلم تحاول إسرائيل مداعبة السفن الروسية لأنها تعلم أنها ستدفع الثمن غالياً، لذلك قامت بضرب ميناء اللاذقية وطرطوس عدة مرات، وكانت الغارات متزامنة مع وصول الإمدادات السوفييتية، وإضافة إلى ذلك فقد قامت إسرائيل بضرب كل الجسور والمعابر الواقعة على طريق اللاذقية-طرطوس-حمص.

كانت أطقم الدبابات التي جمعت من الجبهة تزدلف إلى اللاذقية بكل وسائل النقل البري والجوي وعلى جميع المحاور، وكان عمال المرفأ الشجعان مع أطقم الدبابات يتسلقون السفن الروسية كالفهود ويبدأون عملية ربط الدبابة بحبال الرافعة، وما هي إلا ثوان معدودة حتى تبدأ الدبابة بالارتفاع عن سطح الباخرة وقد ركب فيها سدنتها، وما تكاد الدببة تلامس الرصيف حتى يكون السائق قد أدار محرك الدبابة وانطلق بها إفرادياً على الطريق المؤدي إلى الجبهة ليصل بعد قليل إلى مكان التسليح والتذخير والملء بالمحروقات. وبعد أن تتم هذه العملية، كان السائق يتوجه دون توقف لمتابعة المسير باتجاه الجبهة.. وأمانة للتاريخ أقول نادراً ما كانت دبابتنا تشاهد جسراً مقصوفاً أو معبراً مخرباً، ذلك أن أبناء شعبنا رجالاً ونساءً كانوا يتوجهون مباشرة بعد القصف الجوي المعادي إلى مكان الحادث ليعاونوا الجيش الشعبي والدفاع المدني ورجال الأمن في إصلاح ما تهدم رغماً عن القنابل الموقوتة التي كان يلقيها العدو الإسرائيلي، وما هي إلا دقائق، نادراً ما كانت تبلغ الساعة، حتى يكون الجسر أو المعبر قد أصبح جاهزاً لمرور الدبابات. وعندما كان رجال دباباتنا يعبرون الجسر، بعد إصلاحه، متجهين إلى الجبهة، كانت نساؤنا يزغردن للأبطال ويدعون لهم بالنصر.. إنها حقاً مأثرة لاتنسى عن تلاحم الشعب وقواته المسلحة تلاحماًَ أمدنا بالقوة وزاد القوى المعنوية وهذا ما جعلنا نستمر في المعركة مدة أطول.

تمكنت القيادة العامة للقوات المسلحة السورية من تجهيز عدة ألوية مدرعة بدبابات (ت 62) بفضل الإمدادات العسكرية التي قدمها الشعب السوفييتي والحكومة السوفييتية في أثناء حرب تشرين التحريرية، كما كانت قوات صلاح الدين العراقية قد استكملت وحداتها، وأصبحت تضم فرقتين مدرعتين ولواء مشاة جبلي كما أن القوات الأردنية عززت اللواء 40 الذي شارك في العمليات الأخيرة بلواء مدرع آخر هو اللواء (92) بالإضافة إلى قيادة الفرقة الثالثة مشاة أردنية. وقد كانت هذه القوات متأهبة لشن الهجوم العام المعاكس على العدو ابتداءً من يوم 21 تشرين الأول (أكتوبر) 1973.

وبعد دراسة خطة العملية الهجومية من قبل القيادة العامة السورية والتي اشترك فيها الضباط القادة العراقيون والأردنيون تمت الموافقة على شن الضربة المعاكسة. في الساعة الخامسة من يوم 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1973.

وبعد دراسة خطة العملية الهجومية من قبل القيادة العامة السورية والتي اشترك فيها الضباط القادة العراقيون والأردنيون تمت الموافقة على شن الضربة المعاكسة. في الساعة الخامسة من يوم 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1973.

 

كانت القيادة السورية تريد الاستعجال في تسديد الضربة المعاكسة لسببين:

ـ الأول: عدم إتاحة الفرصة للعدو لالتقاط أنفاسه وتحسين مواقعه الدفاعية.

ـ الثاني: تخفيف الضغط عن الجبهة الغربية بعد الخرق الذي قام به العدو في منطقة الدفرسوار. وجذب جهد العدو مرة أخرى للجبهة السورية.

وعلى الرغم من أهمية الأسباب التي ذكرتها آنفاً فقد كان الإخوة العراقيون والأردنيون يرون تأجيل التنفيذ حتى صباح 23/10 (أكتوبر) 1973، لكي يتم استكمال القوات بكل أنواع التأمينات المادية والبشرية ويتاح الوقت اللازم للقادة، على مختلف المستويات، ليقوموا باستطلاع أرض المعركة بأنفسهم.

كانت توجيهات الفريق حافظ الأسد القائد العام إلي شخصياً ألا أقوم بإسناد أية مهمة قتالية إلى القوات العربية، إلا بعد التأكد من أن القائمين بتنفيذ المهمة مرتاحون نفسياً للقيام بها، وبكلمة واحدة كان المهم أن لانقسرهم قسراً على تنفيذ مهمة قتالية غير مقتنعين بنجاحها.. ثم إن الجبهة السورية كانت قد استقرت وكسرت شوكة الهجوم الإسرائيلي، وإذ كان من جملة المبادئ الرئيسية التي أخذناها بعين الاعتبار عند التخطيط لحرب تشرين التحريرية، أن نطيل أمد الحرب ما أمكننا ذلك، فقد استجبنا لطلب الإخوة العراقيين والأردنيين بتأجيل تنفيذ الضربة حتى صباح 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1973.

وهكذا نمنا بضع ساعات من ليلة 20-21 تشرين الأول (أكتوبر) 1973، بعد أن أسندنا المهام القتالية للفرق الأولى والثالثة والسابعة والتاسعة وقوات صلاح الدين العراقية وقوات الفرقة الثالثة الأردنية. وكان حجم القوى والوسائط كافياً لسحق القوات الإسرائيلية المتمركزة في قطاع الخرق وتدميرها. ثم نقوم بتحرير الجولان بكل القوى والاحتياطات الموجودة في الجبهة السورية.

لكن، في صبيحة يوم 21 تشرين الأول (أكتوبر) 1973 على وجه التحديد، حدثت مفاجأة هامة لم تكن سارة بالنسبة لنا وهي قبول القيادة السياسية في جمهورية مصر العربية بوقف إطلاق النار على الجبهة الغربية، بعد المساعي الدولية التي بذلت في هذا المجال. ووضعنا من جديد أمام الاختيار الصعب.

كانت مصلحة الأمة العربية، والقضية الفلسطينية على وجه التخصيص، تقضيان باستمرار الحرب مهما كلف الثمن لأن من يطلب الحسناء لايغله المهر، وأي حسناء أجمل من تحقيق النصر على العدو..

كان صدور قرار مجلس الأمن رقم «338» مفاجأة لنا كما ذكرت، بل إننا لم نعلم بوجود مشروع القرار أو بدعوة مجلس الأمن للانعقاد إلا بعد أن تناقلته دور الإذاعة ووكالات الأنباء. وقد وضعنا ذلك أمام ظروف جديدة، كان لابد من أخذها بعين الاعتبار. وكان القرار موجهاً إلى كل الأطراف المتحاربة في المنطقة، ونحن طرف رئيسي، فكان ينبغي لنا إذن أن ندرس الظروف المستجدة التي نشأت أو ستنشأ عنه وأن نحدد موقفنا منها.

وهكذا كان.. فقد درس قرار مجلس الأمن في سورية بشعور عميق بالمسؤولية انطلاقاً من المصلحة القومية والالتزام بالمبادئ والأهداف التي قاتلنا في سبيلها. وعقد الرئيس حافظ الأسد لهذه الغاية سلسلة من الاجتماعات منذ صباح الثاني والعشرين من شهر تشرين الأول 1973 وحتى نهاية الثالث والعشرين من الشهر نفسه.

استهل الرئيس الأسد اجتماعاته مع مجلس الدفاع العسكري في سورية ثم عقد اجتماعات مطولة للقيادتين القومية والقطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، والقيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية.. كما أجرى اتصالات هاتفية مع ملوك الدول العربية ورؤسائها تبادل معهم خلالها الرأي حول الموقف الراهن كما أجرى عدة اتصالات مع الاتحاد السوفييتي وكانت كل هذه الاتصالات موضع اعتبار في الاجتماعات المذكورة التي عقدها الرئيس حافظ الأسد لدراسة قرار مجلس الأمن. وقد توخى الرئيس الأسد من اتصالاته مع الشقيقة جمهورية مصر العربية، ومع الاتحاد السوفييتي، أن يستجلي الموقف بكل نواحيه فيما يتعلق بهذا القرار.

وخلال هذه الاتصالات التي أجراها الرئيس الأسد أكد له الرئيس أنور السادات أنه تلقى من القادة السوفييت ضمانات بأن يتم انسحاب إسرائيل انسحاباً كاملاً من جميع الأراضي العربية المحتلة، كما أكد الاتحاد السوفييتي للرئيس الأسد أن موقفه في كل هذا الأمر ينسجم ويتجاوب مع موقف القطر العربي السوري ومصالحه وتطلعات شعبنا العربي المشروعة. ولذلك فإنه عند إعداد مشروع قرار مجلس الأمن، استرشد بتأكيدنا على انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وعلى استرداد الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني.

وبنتيجة الاتصالات التي أجراها الرئيس حافظ الأسد، لاسيما مع الشقيقة جمهورية مصر العربية، ومع الاتحاد السوفييتي باعتباره إحدى الدولتين صاحبتي مشروع القرار، فقد استنتجت القيادة السياسية في سورية أن قرار مجلس الأمن رقم «338» يعني انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة، كما فهمت أيضاً أن هذا القرار يعني عدم المساس بحقوق الشعب العربي الفلسطيني الذي سيكون وحده صاحب الرأي الأول والأخير وصاحب القرار النهائي عند أي بحث لقضيته.

وعلى أساس هذا الفهم لقرار مجلس الأمن، وبعد أن وافقت عليه جمهورية مصر العربية في ضوء القناعات التي تكونت لدى الرئيس أنور السادات، فقد وافقت القيادة السياسية في الجمهورية العربية السورية على قرار مجلس الأمن، وصدرت إلى القوات المسلحة الأوامر بوقف إطلاق النار، بشرط أن يلتزم العدو بذلك، كما أعطيت التعليمات اللازمة لقواتنا المسلحة بأن تكون على أهبة الاستعداد لاستئناف القتال عندما تدعو الضرورة إليه.

ونتيجة لقبول سورية بوقف إطلاق النار فقد صدر قرار بتأجيل الهجوم العام المعاكس السوري في الدقيقة الخامسة من يوم 23 تشرين الأول (أكتوبر) 1973. ومما لاشك فيه أننا أضعنا فرصة ذهبية ونادرة للقضاء على القوات الإسرائيلية في هضبة الجولان آنذاك.. إلا أن هذه الفرصة لم تضع إلى الأبد.. فقواتنا مازالت في الساحة وقوى رجالنا المعنوية في أحسن حالاتها، وحقدنا على عدونا، الذي يحتل جزءاً غالياً من أرضنا، مازال يتأجج في صدورنا، وصراعنا مع عدونا الصهيوني هو صراع طويل لاينتهي في حرب واحدة ولاتحسمه معركة واحدة.


ألف ياء الأخبار
المصدر: موسوعة القائد الخالد
مواضيع ذات صلة
 
 
 
مرحلة التوازن الاستراتيجي للجبهتين السورية والإسرائيلية من 15 إلى 24 تشرين الأول 1973
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات