Share
2013-10-07
عدد المشاهدات: 4312

من بطولات حرب تشرين يرويها المقاتل رشاد بزاخ بقلمه

من بطولات حرب تشرين يرويها المقاتل رشاد بزاخ بقلمه
مصدر الصورة: سانا

صورة لبطولات الاحتياط م/د رقم 1 كما يرويها المقاتل رشاد بزاخ بقلمه:

«لقد هيأنا أنفسنا لخوض المعركة وكنا مطمئنين إلى الانتصار فيها، لما كنا نلمسه ونراه من الاستعدادات العسكرية في قواتنا سواء منها القوات البرية أو وسائط الدفاع الجوي التي كنا نشاهدها عن كثب. وكانت تغمرني رغبة صادقة في أن أكون طليعة المقاتلين الذين سيعبرون الخندق الأول المعاجين. وكنت أشتاق كثيراً إلى رؤية قرانا الحبية التي كانت تطل علينا من مرتفعات الجولان.. تل البريقة، بير عجم، القنيطرة، والمنصورة، لأنني كنت قد أمضيت فترات جميلة من أيام شبابي فيها، ما كنت أصدق أن تنشب المعركة مرة أخرى لنسترد تلك الربوع الحبيبة. وعندما بدأ التمهيد المدفعي، كانت الأوامر أن يكون كل قائد جماعة قريباً من عربته مستعداً للتحرك خلف قائد السرية. وعندما رأيت عربة زميلي الرقيب أول مصطفى صويص التي عينت عربة استطلاع للسرية تتحرك، أسرعت لمساعدته في نزع شبكة التمويه اختصاراً للزمن حتى ثوان معدودة، لأنني كنت مستاء من بقائنا في منطقة التمركز بعد بداية التمهيد، وكنت لا أتصور أن لايكون لنا دور في المعركة إذا نجحت القوات الصديقة في تحرير الأرض. وتخيلت نفسي وأنا أستمع إلى قصص البطولات من رفاقي المقاتلين الذين نالوا شرف تحرير الأرض ووفروا علينا عناء الاشتباك بالعدو. ولكن تطورات المعركة أتاحت لي أن أكلف بمهمة المناورة بأمر من قيادة الاحتياط م/د رقم 1 التي كلفت الملازم محمود عبد الحميد بتنفيذها بعربتين. وكانت العربتان لي ولزميلي الرقيب الأول مصطفى صويص. كان هدف المناورة تدمير ست دبابات معادية تسلقت إلى تل لتأسر قيادة الاحتياط أو تدمرها، وقد قطعت هذه الدبابات الطريق العام سعسع-دورين من الجهة الشمالية الغربية، وكنا نحن في الجهة الجنوبية من تل الشمس، وكانت المناورة تتطلب أن نلتف حول التل من اليسار ونقطع مسافة تقارب ستة كيلو مترات، حتى أصبحنا خلف الدبابات المعادية بدون أن ترانا، وقد وصلت عربتي إلى مسافة أقل من خمسمائة متر منها وهي المسافة التي لاتمكنني من قيادة الصاروخ. عند ذلك تخل الملازم محمد عبد الحميد وأعطاني أمراً بالرجوع إلى الخلف مسافة 200 متر. وبعد وقوفي على يمين الطريق بـ 100 متر. أخذت أراقب بالمنظار مبتدئاً من الجهة اليمنى فلم أر شيئاً، فتابعت المراقبة باتجاه اليسار فوجدت دبابة لاتبعد سوى 900 متر عني أخذت أدقق النظر فيها وأنا أتذكر صور الدبابات المعادية التي كنت أراها في ندوة الجنود.

عرفت أنها دبابة معادية من نوع سنتوريون وكانت الدبابات الباقية وراءها على مسافات غير بعيدة وكلها تصعد إلى التل. وكانت الدبابة السادسة آخر دبابة عبرت الطريق العام. وبعد هذه الجولة أعدت المنظار إلى الدبابة الأولى ورميتها بصاروخ، ومنذ أن انفجر الصاروخ في الدبابة انطلق الصاروخ الثاني إلى الدبابة الثانية وكنت أريد أن يسرع الصاروخ أو أن يذهب بنفسه للهدف (بدون قيادة وتوجيه)، لأنني كنت أضعه على المسار الصحيح، كي أطلق الصاروخ التالي على هدف جديد. ولكن بعد إصابة الدبابة الثالثة بالصاروخ الثالث، تهيأ لي أنها تتحرك فصممت على أن أرميها بصاروخ آخر وهكذا كان وانفجرت الدبابة. وكانت الرابعة تناور باتجاه اليسار ولكنها لم تكن تنتهي من مناورتها حتى أصبتها جبهياً، وحركت المنظار باتجاه الخامسة وكانت تدور حول نفسها بقصد الانسحاب فأطلقت عليها الصاروخ السادس وأصبتها وانفجرت.

لم يبق على السكك طلقات صاروخية. وبقيت دبابة في أرض المعركة، فأمرت السائق أن يلقم صاروخاً على السكة وأخبرته أن يعلمني عن الجاهزية على الفور. فدخل من النافذة التي تصل مقر القيادة بالقاذف ووضع صاروخاً على إحدى السكك وقال: جاهز. وما أن لفظها حتى ضغط على زر الإطلاق وخرج الصاروخ إلى الهدف والسائق مايزال في غرفة القاذف. وكن أفكر وأنا أوجه الصاروخ إلى الهدف: هل أصيب السائق أم لا؟... وكان علي أن أنتظره ريثما يخرج من غرفة القاذف إلى القيادة، كانت الدبابة تنسحب ولم يظهر منها سوى البرج والسبطانة وبعد إصابتها رأيت الجنود ينسحبون منها ويهربون. استغرق تدمير الدبابات الست زهاء دقيقتين. وبعد ذلك لقمت العربة بنفسي وخرجت منها أفتش عن الأهداف. وهنا اندفع الملازم محمود ليعانقني بحرارة. لم أكن أخشى في أثناء الرمي ميل العربة الشديد الذي بلغ قرابة خمس درجات، بينما الميل المسموح به ثلاث درجات كحد أقصى. قلت للملازم محمود أرني دبابات لأدمرها، وكان الملازم محمود قد منع زميلي من الرمي وكلفه حماية الجانب الأيمن من المربض».

لقد كان لتدمير كل دبابة معادية في أرض المعركة قصة بطولية كاملة ابتداء من اقتراب الدبابة من خط النار، إلى اكتشافها من قبل أحد قادة الجماعات أو الضباط، ثم وقوف قيادة الاحتياط على حقيقة الأمر وتبدأ عملية السيطرة الحكيمة على النار. فقد يكون الرامي الذي رأى الهدف مضطرباً لشدة نقمته على العدو. وإن تريثه بناءً على أمر القائد يهدئ أعصابه شيئاً فشيئاً. إنه يريد أن يرمي الهدف على الفور من رؤيته. أما أوامر القائد فهي: «انتظر، لم يدخل خط النار بعد.. النار بأمر من القائد.. تابع مراقبة الهدف.. الحد الأقصى في المكان كذا». كل ذلك امتصاص لنقمة الرماة وتهدئة لأعصابهم.. حتى إذا ما دخل الهدف إلى خط النار وأخذ الرامي أمراً بفتح النار يكون في ظروف نفسية مواتية لتدمير الهدف، هادئ الأعصاب، واثقاً من أن الهدف أصبح داخل المدى المجدي للصاروخ. وكان الرماة يستمدون القسم الأكبر من شجاعتهم من سماع صوت قائدهم الذي يرصد مسير الصاروخ ووصوله إلى الهدف.

لقد ضحى كثيراً هذا الاحتياط م/د رقم 1 وصمد طويلاً وأوقع الخسائر بقوى العدو المادية والبشرية، وكان مثال الشجاعة، كتلة واحدة، وجسماً واحداً بروح واحدة، من القائد حتى أدنى المرؤوسين رتبة. إنه تلاحم يثير الفخر والاعتزاز.

لقد دخلت هذه العناصر المعركة وعانتها عن كثب، عاشتها ثانية فثانية، عجمت عودهم المعركة وصهرتهم وشدت تلاحمهم أكثر فأكثر.. زادت ثقتهم بأنفسهم وبأسلحتهم وبقيادتهم. كانوا مثال الجنود المنضبطين. دافعوا دفاع الأبطال عن وطنهم وعن قضيتهم. هؤلاء هم جنود الاحتياط م/د رقم 1 للجيش الشجعان.. قاتلوا في حرب تشرين التحريرية بكل شرف وبسالة فاستحقوا بذلك تقدير الوطن ومحبة الشعب، وتكريماً للأعمال المجيدة التي قام بها الاحتياط م/د رقم 1، منحت القيادة العامة المقدم الركن علي هرمز قائد الاحتياط م/د وسام بطل الجمهورية. كما منحت علم الفوج 65 الذي ينتمي إليه الاحتياط م/د الوسام نفسه أيضاً.


ألف ياء الأخبار
المصدر: موسوعة القائد الخالد
مواضيع ذات صلة
 
 
 
من بطولات حرب تشرين يرويها المقاتل رشاد بزاخ بقلمه
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات