Share
2017-11-12
عدد المشاهدات: 336

تفاهمات ترامب بوتين والرؤوس الحامية في المنطقة

تفاهمات ترامب بوتين والرؤوس الحامية في المنطقة
مصدر الصورة: sana.sy

من دون أي مقدمات، نشرَ الكرملين بياناً بدا وكأنه تجسيد لنتائج اللقاء المقتضب الذي جرى بين كل من الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين على هامشِ قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي المنعقدة في فيتنام.

البيان الذي أكد ضرورة التعاون بين البلدين لإنهاء «الحرب في سورية» هو، حسب الرئاسة الروسية، أشبهَ بوثيقةِ تفاهمٍ جرى الإعداد لها بين مسؤولي البلدين ووافق عليها الرئيسان خلال لقائهما القصير.

في الواقع فإن هذا البيان بدا وكأنهُ بعكسِ مسار الأحداث تحديداً بعد الجفاف الذي عانته كل التفاهمات السابقة بين الروس والأميركيين حول سورية، فوزير الخارجية الأميركي قبل أسابيع عاد لعبارة «الأسد سيرحل»، أما الروس فقد عرقلوا جهود الولايات المتحدة لإدانة القيادة السورية عبر قرارٍ في مجلس الأمن حول حادث «خان شيخون الكيميائي»، ولا نعلم إن كانت المحادثة القصيرة بين الرئيسين كافية لإنهاء هذه المشكلات ببساطة، أم إن البيان كان على طريقةِ بيانات قمم جامعة «آل ثاني» العربية التي يتم تجهيزها من وزراء الخارجية ومن ثم يبصم عليها «الزعماء»، دون أن يكون لها أي مفاعيل على الأرض، فهل حمل هذا البيان ما هو جديد؟

في المضمون، لا يبدو أن هذا البيان قد جاءَ بأي جديد، هو تكرارٌ لعباراتٍ دبلوماسية لا طائلَ منها، لكونها بالأساس تعج بالتناقضات وهذه أبرز الأمثلة عنها:

أولاً: إن الحديث عن أن الولايات المتحدة مع احترام «السيادة السورية» يتعارض مع وجود قواعد أميركية في الشمال السوري دون موافقة الحكومة السورية ويتعارض كذلك الأمر مع إصرار البنتاغون على بقاء هذه القواعد حتى بعد هزيمة داعش.

ثانياً: إن الولايات المتحدة كانت ولا تزال تدعي بأنها تدعم «وحدة الأراضي السورية» لكن في الوقت ذاته فإن كلامها لا يتطابق مع أفعالها على الأرض.

ثالثاً: إن البيان أعاد استذكار قرار مجلس رقم 2254 الصادر بتاريخ 18 كانون الأول 2015 كمرجعية للحل السياسي المنشود، اللافت أن هذا القرار ومنذ صدوره طرح سؤالاً بديهياً: ما الآليات التي تضمن تنفيذه؟ ربما الإجابة عن هذا السؤال جاءت مع الوقت، فالقرار يومها حدد جدولاً زمنياً مدته 18 شهراً حتى يتمكن السوريون من إنهاء المفاوضات حول دستورٍ جديد، وتشكيلِ هيئة حكمٍ انتقالي لإدارة العملية الانتخابية وفق المعايير الدولية، لكن المدة الممنوحة من مجلس الأمن تجاوزها السوريون كثيراً وما من شيء تحقق، بل على العكس ربما لولا هذا البيان الروسي الأميركي المفاجئ، لكان هذا القرار نسياً منسياً تماماً كما قرارات مجلس الأمن المتعلق بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي المحتلة.

رابعاً: إن البيان شدد على ضرورة استمرار التعاون بين البلدين حتى تحقيق هزيمة داعش، والمفارقة أن الروس قبل الأميركيين اعترفوا حتى قبل تحرير مدينة البوكمال بأن داعش لم يعد يسيطر على أكثر من 5 بالمئة من الأراضي السورية، فهل تذكر الطرفان الآن هذا التعاون؟ وهذا ببساطة يأخذنا لفرضية أن البيان لم يتعاط مع المتغيرات الجديدة، هو ببساطة «لزوم ما لا يلزم».

لكن من وجهةِ نظرٍ ثانية لا يمكن التقليل من أهمية بيان كهذا في هذا الوقت بالذات الذي تتشابك فيه الأحداث وتتقاطع بطريقةٍ دراماتيكيةٍ متسارعة، ليس في الصراع الدولي فحسب، لكن في الصراع المتعلق بكل دولة على حدة، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب مثلاً كان ولا يزال هو وفريقهُ أسرى اتهامات بـ«التبعية للروس»، وفي الوقت ذاته لا يبدو أنه يعيش أفضل أيامه في العلاقة مع المؤسسة العسكرية مهما كثرت محاولات إظهار الوجه الآخر لهذه العلاقة، وإذا كان ترامب قد أظهر الوجه الحقيقي لإمبريالية رأس المال الأميركية بصورتها القميئة، فإنه كذلك الأمر أظهر الوجه الحقيقي لتأثير «البنتاغون» ونفوذه في الولايات المتحدة عندما تتعارض توجهاته مع توجهات البيت الأبيض، وبمعنى آخر لا يبدو أن البنتاغون سيقبل باللهجة التصالحية التي يبديها ترامب حيال أزمات المنطقة بل هو يحاول التصعيد في كل الجبهات وكل المناطق المتاحة، فهل سينجح ترامب بهذا التمرد إن جاز التعبير؛ وبمعنى آخر: هل سيساهم هذا الاتفاق بتطفئة الرؤوس الحامية في المنطقة؟

طغى الحدث «السعو لبناني» على بورصة الأحداث الأبرز في الأيام الماضية لأنه في الإطار العام لا يبدو أنه يؤسس فقط لبداية فوضى جديدة في المنطقة تُضاف لباقي فوضاتها، لكنه أسس لأسلوب جديد في التعاطي بين الدول ذات نفسها، فإن تعتقل دولة ما رئيس وزراء دولةٍ ثانية وتجبره على الاستقالة بل تفرض على مناصريه «مبايعة خليفته» في إطار صمتٍ دولي مطبق لا يبدو أنه بالحدث العابر، لكن الأهم أن هذا التصعيد السعودي تجاه لبنان ليس مجرد تصعيدٍ آني أو تهويلاً بلا جدوى، إذ إنه ومنذ كذبة سقوط صاروخ يمني في مطار الملك خالد في الرياض بدا الأمر وكأننا أمام «11 أيلول جديدة»، بل اللافت أن كذبة الصاروخ التي أسس لها «ابن سلمان» كذريعةٍ لكل ما هو قادم، وقع في مطبها حتى الإعلام المندرج تحت صفة «مقاوم» لأنه أول من سوَّق للحدث عبر التغني بـ«القدرات» اليمنية، واللافت أيضاً أن الإعلام ذاته الذي كان يُطالب بإثباتات أن الحريري استقال طواعية وليس مكرهاً، وقع ودون إثباتاتٍ في مطب صورٍ لمنطقة فيها نيران تحترق على أنها مطار الرياض وأن السبب هو «صاروخ يمني بالستي».

بالنهاية نجح «ابن سلمان» بتعويم فكرة أنه تحت رحمة «صواريخ حزب الله» الإيرانية وبدأ يشيطن كل من ليس معه في لبنان، هذه الحملة «السعو إسرائيلية» كان هناك من يلاقيها في البنتاغون الذي لم يعلن فقط تعاطفه مع السعودية بل أكد أن الصاروخ الذي أصاب المنطقة هو إيراني الصنع، بل تحدث عن «بصمات إيرانية» في الهجوم، والهدف حُكماً ليس إيران بل «حزب الله». ربما موقف البنتاغون هذا قد يكون بعيداً عن الموقف الدبلوماسي الأميركي الذي يرى أن المحافظة على الاستقرار في لبنان أمر ضروري بل إن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ذهب أبعد من ذلك عندما أكد أنه يدعم عودة الحريري إلى لبنان.

من كل ما تقدم يبدو أننا لسنا أمام انقلابٍ سعودي برضى أميركي كما يصنفهُ البعض، ربما الأدق أننا أمام انقلاب «سعو إسرائيلي» على الإدارة الأميركية، حتى من بدأ يستشعر بخطورةِ ما يُحاك من الأوروبيين بدا عاجزاً، فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي دخل الرياض بزيارةٍ ليست مقررة للوساطة والاطمئنان على الحريري، نسي الحريري وعاد بمئة مليون دولار سعودية كدعمٍ للقوة العسكرية المشتركة بين الدول الخمس في منطقة الساحل الإفريقي المكلفة مكافحة الإرهاب، أي إن السعودي اليوم تجاوز مرحلة استشعار الضعف الأميركي والبحث عن البدائل، وهو جاهز للذهاب بعيداً بغطاء إسرائيلي، فماذا ينتظرنا؟

بواقعيةٍ تامة لا يبدو أن الاتفاق الروسي الأميركي سيأتي بجديد، ربما هو أقرب لتثبتِ خطوط التماس في الشمال السوري، تحديداً أن ترامب يبدو فيما يبدو أنه أضعف من إمكانية التمرد على «مشيئة البنتاغون»، أما فيما يتعلق بمسار الحدث «السعو لبناني» فكان لافتاً أن كل من يستبعدون ضربة إسرائيلية للبنان، من تصريحاتٍ رسمية أو تحليلاتٍ إعلامية، كان كلامهم ينطلق من مسوغ أساسي بأن إسرائيل أضعف من هذه المغامرة لأنها تدرك حجم الخسائر، لكن من قال: إن الضعيف لا يمتلك حس المغامرة عندما تكون المسألة لديه «حياة أو موتاً»، وبطريقة ثانية من قال إن إسرائيل لا تريد استمرار قتالها بالوكالة؟ هي قاتلت في سورية منذ سبع سنوات بالوكالة فما يمنعها أن تقاتل في لبنان بالوكالة، إلا أن كان هناك من يعتقد أن الوكالة التي تمثلها داعش وجبهة النصرة، تختلف عن الوكالة التي يمثلها آل سعود، تحديداً أن ورقة الحريري في لبنان ما زال ابن سلمان قادر أن يلعب بها كما يشاء حتى لو وصل الملف إلى مجلس الأمن الدولي، وماذا لو كان الأمر لعبة بين ابن سلمان والحريري تنتهي بعودة الحريري عن استقالته لكن بشروط أهمها أن «أمن الـسعودية» من «أمن لبنان من دون حزب الله»؟

ما يجري التخطيط له يبدو فيما يبدو أنه أحد أخطر مراحل الحرب، ومن البديهي هنا أن لا نقع في أوهامِ النظر للخصم على أنه ضعيف أو يترنح، ومن لا يصدق فليتذكر أن الطير المذبوح ينتفض بقوة ويبتعد، هو حكماً لن يستعيد الحياة لكنه قادر وهو يعيش سكرات الموت أن يسبب الضرر.


فراس عزيز ديب
المصدر: alwatan.sy
مواضيع ذات صلة
 
 
 
تفاهمات ترامب بوتين والرؤوس الحامية في المنطقة
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات