Share
2017-06-15
عدد المشاهدات: 539

تيران وصنافير: ماذا بعد؟

تيران وصنافير: ماذا بعد؟
مصدر الصورة: al-akhbar.com

إذا مضت الأزمة إلى آخرها بتسليم جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، فإننا أمام مرحلة جديدة من التاريخ المصري الحديث. هذا النوع من الأزمات لا تلخّصه مشاهد ينقضي أثرها بالوقت ولا ينسحب بلا ثمن قاس إلى دفاتر الذكريات.

أخطر ما يتخلف عن الصورة العامة، التي بدا عليها الأداء الرسمي في إدارة أزمة بمثل هذه الدرجة من الحساسية والخطورة، زعزعة جذور الثقة بمؤسسات الدولة والذين يتولون مسؤولية إدارتها في لحظة حرب ضارية مع الإرهاب وأوضاع اقتصادية خانقة.

لأول مرة في تاريخ أي أزمة مماثلة في أي مكان في العالم، تتطوع دولة لإثبات أحقية دولة أخرى في أراض تخضع لسيادتها الكاملة وتتعلق باستراتيجية أمنها القومي. طوال شهور الأزمة، لم تتقدم السعودية بمستند واحد يثبت أحقيتها في الملكية والسيادة على تيران وصنافير، بينما تكفلت السلطات المصرية بعرض ما تصورت أنها وثائق تثبت «سعودية الجزيرتين» وأخفت أيّ وثائق تثبت العكس، حاربت بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتسليم الجزيرتين حتى بدا مسؤولون رسميون ونواب برلمان أكثر حماسة من السعوديين أنفسهم.

الموقف السعودي واضح ومشروع في طلب نقل الجزيرتين إلى عهدته، لكن ما جرى على الجانب الآخر يفتقد أي وضوح وأي مشروعية. اتهامات التفريط تشيع في الفضاء العام المصري بصياغات عدة تؤسس لقطيعة مع الحاضر ونزيف سياسي داخلي لا أحد يعرف إلى أين ينتهي؟ لا يمكن أن يساعد ذلك مجتمعاً منهكاً على التماسك ولا دولة مستهدفة على صدّ الأخطار. الأسوأ أن الضمير العام قد يتعرض لضربة مؤلمة محبطة وعميقة. إنّه اعترض ولم يسمع له أحد، حاول وقف تسليم الجزيرتين بالوسائل الدستورية والقانونية لكنه جرى العصف بكل قاعدة وأي أصول.

بدأ يتسلل إلى المشاعر العامة شيء من الكآبة الجماعية: «لقد فشلنا في الوفاء بواجب الدفاع عن أراض مصرية». الشعور بالعجز هو واحد من أسوأ الأمراض الاجتماعية التي تصيب الأمم والشعوب.

بعد هزيمة ١٩٦٧ مباشرة، قال الفريق عبد المنعم رياض، الذي أسندت إليه رئاسة أركان القوات المسلحة، لجمال عبد الناصر: «أرجوك يا سيادة الرئيس ألا تقبل أي صلح أو سلام حتى لو عادت سيناء كاملة قبل أن نحارب. إذا لم نحارب فإن كرامة بلادنا تهدر وشرف نسائنا يمرغ». كانت تلك نظرة عميقة لأثر الهزيمة على الأخلاق العامة إذا لم تكن مصر قد نهضت لتحرير أرضها المحتلة بقوة السلاح.

بأثر تسليم الجزيرتين على النحو الذي تجري به الحوادث، فإنّ التصدع الأخلاقي سوف ترتفع وتيرته بما يتجاوز أي كابوس، والجريمة الجنائية مرشحة للتزايد. ذلك يصبّ في طاحونة الإرهاب ويوفر بيئات إضافية حاضنة، لكن لا أحد يتحسّب للتداعيات الخطيرة.

لا يمكن أن تمر أزمة تسليم الجزيرتين كأنها شريط سينمائي قصير، ضغوط وإجراءات يمضي كل شيء بعدها طبيعياً. التداعيات الاجتماعية والأخلاقية لا تقل خطورة عن السياسية والاستراتيجية.

لقد عبّرت «طاقة غضب» عن نفسها في احتجاجات بعضها عاصف، تلتها اعتقالات من أجل إثبات الحق المصري ومنع تسليم الجزيرتين، غير أنه لم يتوافر لها التحول إلى «طاقة تعطيل» للمشروع كله.

بقوة الغضب توقفت إجراءات التسليم لنحو سنة، أصدر القضاء الإداري خلالها حكمين تاريخيين بمصرية الجزيرتين وفق ما توافر من وثائق ومستندات وخرائط لعب المصريون في الخارج دوراً جوهرياً في الحصول عليها من مكامنها في المكتبات الدولية، غير أنه في نهاية المطاف جرى العصف بأي قواعد دستورية وقانونية وحجية الأحكام القضائية.

هناك ما يدعو إلى الرهان على حيوية المجتمع وأجياله الجديدة ونوابه الشجعان الذين قاتلوا في أصعب الظروف ضد تسليم الجزيرتين. غير أن أحد التداعيات الخطيرة لتمرير اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، رغم الحكم القضائي النهائي ببطلانها، ضرب أي تطلع لبناء دولة مؤسسات حديثة وعصف بدولة القانون من عند الجذور، فلا النصوص الدستورية التزمت ولا حجية الأحكام القضائية احترمت.

يوسّع التسليم «كامب ديفيد» بإدخال السعودية طرفاً مباشراً

كان مستغرباً أن يصف رئيس مجلس النواب الأحكام القضائية التي صدرت عن المحكمة الإدارية العليا، ببطلان الاتفاقية، بـ«إنها والعدم سواء». ذلك التصريح المتفلّت من أي قيد قانوني وسياسي وأخلاقي لا سابق له ولا مثيل، وآثاره الوخيمة لن تمحى كما تطارد الكوابيس أصحابها.

في مثل هذه الأجواء التي تقارب بعض ألعاب السيرك، تتهدد الدولة في وجودها وتضرب المؤسسات في عمق دورها وتتبدى في الأفق المغلق أشباح المجهول. لا يشك عاقل واحد في أن الشرعية قد أصابها ضرر بالغ، والأداء الرسمي أوصل البلد إلى طريق غير معبّد لا يصلح للسير الآمن ولا عليه إشارات تحدد إلى أين نذهب من هنا، كأنه التيه.

هناك أخطاء يمكن تصحيحها وتصويبها وأخطاء أخرى يختلف بعدها كل شيء. تسليم الجزيرتين يندرج في النوع الثاني. إذا ما أُنزِل العلم المصري من فوقهما، فلا سبيل إلى استعادتهما مرة أخرى، إذ هناك وثائق دولية سوف توقّع وتودع في الأمم المتحدة تنتقل بمقتضاها وفق معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الالتزامات الأمنية المصرية في تيران وصنافير إلى السعودية.

أي تطلّع لاستعادة الجزيرتين مستقبلاً تجديف ضد الحقائق والمصالح، كما أنه مشروع حرب مفتوحة مع إسرائيل وحلفائها. بصياغة أخرى، فإن إسرائيل المستفيد الأول من تسليم الجزيرتين للسعودية.

التسليم يفضي ــ أولاً ــ إلى توسيع «كامب ديفيد» بإدخال السعودية طرفاً مباشراً في معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، بما يعني اعترافها بالدولة العبرية، تطبيعاً أمنياًوعسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً، من دون أي التزام بالمعاهدة العربية للسلام، التي تقضي بالتطبيع الشامل مقابل الانسحاب الكامل حتى حدود ٤ حزيران/ يونيو ١٩٦٧.

التسليم يفضي ــ ثانياً ــ إلى ضرب أي استراتيجية مصرية في البحر الأحمر، ويؤثر على القدرات الدفاعية عن سيناء. إذا ما نشبت مواجهات سلاح في المستقبل، وهذه مسألة لا يمكن استبعادها، فإن الوضع الاستراتيجي يكون أكثر حرجاً، باعتبار مضيق تيران مياهاً دولية لا مصرية كما هي الحال الآن.

والتسليم يفضي ــ ثالثاً ــ إلى إفساح المجال أمام إسرائيل للإقدام على مشروعات تهمّش قناة السويس عبر ما سوف تصبح مياهاً دولية؛ المشروعات معلنة والقدرة على منعها محدودة.

بنصوص الاتفاقية فإنها مع السعودية. بمقتضى المصالح فإنها مع إسرائيل. هكذا بوضوح من دون مساحيق أو ادّعاء، فإن تسليم الجزيرتين يخضع للاعتبارات والترتيبات الإقليمية، التي يطلق عليها «صفقة القرن».

البرلمان خطّ فرعي في الأزمة، الأداء الحكومي خط فرعي آخر؛ لا هم أبطال العرض ولا لاعبوه الرئيسيون، وسوف يخضعون في النهاية لحساب عسير أمام التاريخ. بعد وقت لن يطول، سوف يخرجون من المشهد كله وتظل الحقائق ماثلة: مضيق تيران الاستراتيجي ضاع، وإسرائيل تمكنت من السيطرة على البحر الأحمر، والقضية الفلسطينية دخلت على المذبح الأخير.


عبدالله السناوي
المصدر: al-akhbar.com
مواضيع ذات صلة
 
 
 
تيران وصنافير: ماذا بعد؟
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
منوعات